الرئيسية / أقلام وآراء / محمد العبد الرحمن: حقائق مغيبة أظهرتها ثورة فبراير

محمد العبد الرحمن: حقائق مغيبة أظهرتها ثورة فبراير

أقامت محافظتا تعز ومأرب بمناسبة الذكرى السادسة لثورة 11 فبراير احتفالات رسمية غير مسبوقة، ومهرجانات جماهيرية حضرتها حشود من المواطنين، أظهرت مدى احتفاء أبناء المحافظتين خصوصا واليمنيين عموما بهذه الثورة، فلهاتين المحافظتين ذكريات مع الثورة لاتنسى، ففي تعز لمعت الشرارة الأولى للثورة، وفيها نفذ الثوار أول اعتصام يطالب برحيل صالح الذي انتقم منها أشد الانتقام. أما مأرب التي صنفها نظام صالح على مدى ثلاثين عاما أنها محافظة بدوية، ايتوطنتها القاعدة وداعش؛ أصبحت اليوم المحافظة التي تنطلق منها عجلة بناء مستقبل اليمن المشرق، والمحافظة التي احتضنت بذرة الجيش الوطني الذي سيقتلع جذور الإنقلابيين.

وبهذه المناسبة أوقد أبناء تعز العز ومأرب الشموخ شعلة الثورة، لتنير لليمنيين دروب النصر والحرية، وتشعل في قلوب الإنقلابيين نيران الحقد والخبث والكراهية، وشتان بين نور ونار !!

كانت ثورة فبراير ثورة للتغيير، انتظم في ساحتها الثوار الشباب من كل مكان، وبمختلف انتماءاتهم، الجميع ينشدون تغييرا، وكان من ضمن المنضويين في ساحات الثورة شباب الحوثيين الذين كانوا أيضا ينشدون التغيير، ولكن ثمة فرق بين من ينشد التغيير لحياة كريمة، ومن ينشد التغيير لحياة الجهل والفقر والمرض، وكلاهما تغيير، فالتغيير الذي طالب به الشباب الصادقون مع أنفسهم ومع الوطن حمل النور الساطع لحياة كريم، لايشوبها استبداد ولا استعباد ولا ظلم ولا جبروت ولا كهنوت ولا إمامة، أما التغيير الذي طالب به الحوثيون فقد انصب على إعادة اليمن إلى فتراته المظلمة، واستعادة الكهنوت والإمامة والاستبداد والظلم والجبروت، الذي قضت عليه ثورتا سبتمبر وأكتوبر واجتثته إلى غير رجعة.

لم يكن خروج شباب اليمن ورجالاته في الحادي عشر من فبراير 2011 بطرا وتقليدا للآخرين، أو تآمرا لإسقاط سلطة لازالت في فترة شرعيتها المتفق عليها مع الشعب، لكنها ثورة امتدت لسنين طوال، طالب ثوارها من السلطة إصلاح منظومة تجاوزت أبناء الشعب، وتغيير شخوص تقادمت بها السنين حتى ظنت أن الشعب بضعا من عبيدها، وثروات الدولة جزءا من أرصدتها، والسلطة حكرا على أبنائها.

خرج الثوار الحقيقيون ينشدون عزة امتهنت، وكرامة انتهكت، وحقوقا صودرت، ودولة ضاعت، وجمهورية نهبت.

خرجوا تحدوهم الآمال بإحداث تغييرات لحياة أفضل، يسعد فيها الشعب اليمني كما سعدت شعوب المنطقة والعالم، أوليس اليمنيون من شعوب الأرض؟!

لم يطلب الثوار حقا ليس من حقوقهم، فالحقوق كفلها الدستور، وساوى فيها بين جميع أفراد الشعب، الراعي والرعية، والحكام والمحكومين، وأبناء هؤلاء وأبناء أولئك، ولم يسألوا شيئا فوق طاقة حكامهم، فالشعوب تعيش على قدر ثرواتها، وهل اليمن بدون ثروات ؟!

لقد غرس الحاكم الفقر غرسا في أبناء الشعب، وأطفأ به شعلة آمال كان الشعب يتطلع لتحقيقها، وعمق جهلا ليغطي به على جرائمه وفساده، وكرس أمراضا ليشعل في اليمنيين آلاما تلهيهم عن مراقبة أفعاله.

ومهما بلغ سخط الإنقلابيين على الثورة، ومهما شكك المرجفون في سمو أهداف وغايات الثورة، إلا أنهم لايستطيعون أن يحجبوا حقائق ما كانت لتظهر لولا ثورة فبراير.

فقد أظهرت ثورة فبراير حقيقة النظام السلطوي الاستبدادي، الراغب في تملك السلطة والاستئثار بها دونا عن الشعب اليمني، وأظهرت مدى الخداع التي كان يتفنن النظام في فبركتها، وإيهام الشعب بها، فديمقراطيته وهمية، وشورويته سراب، ودعوته للمشاركة في الحكم كانت لذر الرماد على العيون، وليست لها وجود في الواقع.

وأظهرت حقيقة العلاقات بين النظام ومن كان يخادع العالم كله بأنهم خصومه، وكشفت حقيقة الحروب العبثية التي استمرت لسنوات عديدة بين خصمين ظن الشعب جهلا أنهما يختلفان فكرا وعقيدة ومذهبا، لكنهما ظهرا كحليفين متشابكين في الأهداف والغايات والعقائد والأفكار.

كما أظهرت حقيقة الجيش الذي تم بناؤه لعقود من قوت الشعب وثروته، ليحمي الدولة أرضا وإنسانا، لكنه تدرب على حماية العائلة، وحراسة ممتلكاتها وسلطانها، وتركزت إستراتيجيته العسكرية على عدو واحد يجب الاستعداد لقمعه؛ هو الشعب، إذا مافكر أن يمد يده لمنازعة العائلة الحاكمة حقا مشروعا كفله الدستور.

وأظهرت كذلك حقيقة الفساد المستشري في مفاصل الدولة، والأيادي التي تبنت الفساد وغذته ونمته وحمته، وفضحت الفاسدين وحجم فسادهم، وغرضهم من تبني الفساد وتقريب الفاسدين.

وأظهرت حقيقة الجمهورية التي تغنى بها النظام وحافظ عليها، وكشفا الملكيين المتدثرين بلباس جمهوري، وأبانت الحق الإلهي والحق العائلي، والعلاقة الجامعة بين الحقين.

وأظهرت حقيقة الإرهاب والإرهابيين، ومن أسس وبنى وسلح القاعدة وداعش في اليمن، وكشفت مخططاتهم، وأظهرت أهدافهم وغاياتهم.

وأظهرت كذلك حقيقة المستقبل الذي كان ينشده الحكام على غرار الماضي البئيد، وحقيقة الإصلاحات السياسية والإقتصادية والإدارية والمالية التي تبناها النظام، واستلم ثمنها مديونيات كبيرة أثقلت كاهل الشعب من المنظمات الدولية، وكيف انتهت بإصلاح كرسي الحاكم وعرشه.

وأظهرت حقيقة الأرصدة التي تذهب إليها عائدات المشتقات النفطية، والتقاسم الجائر للحقول النفطية قبل استخراجها من قبل العائلة والمقربين منها، ونصيب الشعب اليمني من تلك العائدات.

وأخيرا.. أظهرت هذه الثورة حقيقة الرابطة المتينة بين اليمنيين وجيرانهم من أبناء الخليج، الذين وقفوا معهم في أحلك الظروف، في وقت تزايد فيه ظلم الأهل والأقارب.

كل هذه الحقائق المغيبة وغيرها كشفتها ثورة فبراير وأظهرتها للعيان، وأصبح الشعب اليمني كله يعلم حقيقة الحاكم، والأهداف الكامنة وراء تحالف الظلام والكهنوت، للقفز على السلطة، والاستئثار بها دونا عن اليمنيين.

ولكن.. إذا كانت ثورة فبراير أظهرت في الفترة الماضية كل هذه الحقائق، وكشفت ما أبطنه المخلوع من مؤامرات للغدر بثورتي سبتمبر وأكتوبر والجمهورية، فإن هذه الثورة واستمرارها كفيلة في الأيام القادمة بإظهار حقائق جديدة لازالت تتوارى خلف أهداف الثورة، وتكشف كل المؤامرات التي تحاك للإطاحة بالثورة والثوار.

شاهد أيضاً

محمد العبد الرحمن : في تعز انتصارات عسكرية وانكسارات أمنية

لم تفتر عزيمة الجيش الوطني في تعز عن تحقيق انتصارات متتالية في مختلف جبهات المواجهة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *