الرئيسية / أقلام وآراء / فؤاد أبو حجلة : فالنتاين في اليمن!

فؤاد أبو حجلة : فالنتاين في اليمن!

زار فالنتاين اليمن أمس، ليس بصفته مبعوثا للأمين العام للأمم المتحدة، ولا وسيطا دوليا يحمل خارطة طريق لإنهاء الصراع في البلاد، بل سفيرا كونيا يحمل خارطة طريق للحب في عيد الحب الذي تحول إلى يوم دولي لتبادل الورود بدلا من تبادل الرصاص في كل بلاد الدنيا، ومنها البلاد التي تعيش سواد الحروب وتمزق الأحقاد الطارئة سلمها الأهلي وسلامها الاجتماعي الذي كان متأصلا فيها قبل زحف الإرهاب الظلامي على مدنها وأحيائها وحاراتها التي كانت مضاءة بالحب في أزمان سابقة لثورات الظلام وانقلابات الظلاميين.

كان مألوفا أن يحضر فالنتاين في البلاد المسترخية التي تنعم مجتمعاتها بالهدوء المؤسس على السلم الأهلي والرخاء والتعايش السلمي الذي يحقق العيش الرغيد، ولم يكن ملفتا أن يقبل الانجليز والفرنسيون وأهل السويد والنرويج على شراء الورود والحلوى للتعبير عن الحب والمودة، وللتعبير عن تمسكهم بما يجمع ولا يفرق وما يوحد ولا يباعد بين الانسان وأخيه الانسان.

لكن حضور فالنتاين إلى اليمن والعراق وسوريا في أزمانها الحالكة كان لافتا لكل المتابعين لما يجري في هذه البلاد من حروب تسعى لاغتيال انسانية الإنسان الفرد وتحويل البشر إلى قرابين جاهزة للذبح على امتداد جغرافيا الصراع.

في اليمن حيث تنبري الطغمة الانقلابية الظلامية للانقضاض على كل ما هو انساني باعتباره كفرا وتجاوزا للعرف الظلامي المؤسس على الكراهية والموت كبديل حوثي للحب والحياة، فوجيء الحوثيون قبل غيرهم بإقبال اليمنيين على الاحتفاء بعيد الحب، وعلى تبادل الهدايا الرقيقة بدلا من تبادل الرصاص، وكان في الاقبال اليمني على التفاعل مع فالنتاين وطقوسه رسالة مقاومة للموت والخراب الذي تنشره الميليشيات في البلاد، وتعبير عن توق اليمنيين إلى استعادة ما فقدوه في زمن الانقلاب من علاقات انسانية سوية وحياة مضمخة بالحب والتسامح بدلا من الكراهية والانتقام الدموي الغبي.
يوم أمس كان الورد حاضرا في البيوت التي تعودت في أزمان سابقة على عبق الورد اليمني وعطر ورد تهامه الذي يحاربه الانقلابيون بتحويل مزارعه إلى معسكرات للمسلحين. ويوم سادت مفردات الود والابتسامات المتفائلة في كل حواضر البلاد تعبيرا عن تمسك أهل البلاد بطبع لا يغلبه التطبع، وعن توقهم إلى الحوار الودود بدلا من حوار القذائف المحشوة بالموت الطائفي العابر للحدود.

في العراق أيضا تجاوز أهل البلاد حدود الفرز الطائفي، وعبروا أسوار الطوائف بالورود المروية بماء دجلة والفرات ليستعيدوا في لحظات قصيرة في يوم واحد ما شطبته سنوات طويلة من الموت المعمم بالحقد الطائفي، وليعيشوا إنسانيتهم التي جعلت بلادهم ذات زمن بعيد منارة للحضارة البشرية وموطنا وموئلا للوعي الانساني المتجلي فنونا وثقافة وإبداعا لم يجرؤ أحد على تسميته انحرافا وتغريبا في زمن العباسيين ودولتهم.

وكذلك كان الورد سيد المشهد في الشام، عاصمة الزهو العربي بالفتوحات الأولى ومركز بدايات الحضارة البشرية في دمشق التي تقاسمت مع أريحا بدايات التمدن والحياة المدنية قبل آلاف كثيرة من السنين. وحلت عبارات الحب والود مكان تصريحات التعبئة والكراهية التي حملها إلى الشام شذاذ الآفاق الظلاميين القادمين من كل جهات الأرض.

لسنا دعاة تغريب، ولا نستورد الأعياد من الغرب، لكن الحب ليس حكرا على أهل الغرب مثلما أن الكراهية والموت ليست حكرا على العرب.. وسيظل الورد ينبت في هذه الأرض المضاءة بالحب مهما بلغ البلاء واجتياحات التخلف والظلام.

شاهد أيضاً

فؤاد أبو حجلة: رسائل قمة مسقط إلى طهران

بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لكل من مسقط والكويت، ومحادثاته مع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *