الرئيسية / أقلام وآراء / محمد العبد الرحمن: الحديدة بين مطالبات الحكومة وتمنع الإنقلابيين
إسماعيل ولد الشيخ أحمد

محمد العبد الرحمن: الحديدة بين مطالبات الحكومة وتمنع الإنقلابيين

بعد أكثر من عامين من المباحثات والمشاورات، كانت فيها الأمم المتحدة الراعي الرئيس لهذه المباحثات، لم تنجح فيها في فرض حل مرض ينهي الأزمة، ويرفع المعاناة عن المواطنين، ولم تستطع التوصل لتسوية بين طرفي المشاورات، ولم تستطع حتى تقديم حلول جزئية للمشاكل الإنسانية التي تدعي أنها راعية للإنسانية، وحامية لحقوقها.

وهاهي اليوم بعد أكثر من عامين تترك الأزمة اليمنية برمتها، وتتخلى بشكل واضح عن أساس المشكلة، لتقدم مبادرتها في جزئية صغيرة، تتمثل في منع تحرير ميناء الحديدة، مختزلة القضية اليمنية كلها في الحديدة، وكأن الأزمة القائمة تنازعات شخصية أو قبلية بين متنفذين على عائدات الميناء، وليس إنقلاب جرف اليمن كله بكل مؤسساته ومحافظاته ومواطنيه إلى جرف هار، فانهار به في نيران الأطماع الفردية، والأحقاد الطائفية.

قدم ولد الشيخ على هذا الأساس مبادرته الأخيرة التي تنص كما أوردتها وسائل الإعلام المختلفة على إنشاء صندوق مستقل يعمل بحيادية، ويدار بواسطة فريق مهني يمني وبإشراف الأمم المتحدة، تصب فيه كل إيرادات الدولة، سواء الواقعة تحت تحالف صنعاء أم تحت إدارة الحكومة، بمافيها إيرادات ميناء الحديدة، وإيرادات الضرائب والجمارك، وإيرادات المشتقات النفطية، وغيرها، على أن يتولى هذا الصندوق صرف مرتبات الموظفين الذين حرموها منذ أكثر من ثمانية أشهر.

هذه المبادرة التي وافقت عليها الحكومة، وفقا لولد الشيخ، لا تعدو أن تكون مجحفة في حق الحكومة، كما هي مجحفة في حق اليمنيين، وهذ كذلك أداة لإطالة حياة الإنقلابيين، ولكن استشعار من الحكومة بمسئوليتها تجاه مواطنيها، وإسهاما منها في تخفيف المعاناة التي أثقلت كاهل المواطنين، وافقت على هكذا مقترح، غير أن الإنقلابيين كما يبدو لم يدركوا حجم الفرصة التي قدمت لهم، ولازالوا يرون في أنفسهم القدرة على المناورة، وأن تمسكهم بالحديدة سيزودهم بالمنعة العسكرية التي طالما هربوها عبر الميناء، ولذلك تمنعوا حتى عن استقبال ولد الشيخ أثناء زيارته لصنعاء، ولم يكلفوا أنفسهم الإطلاع على هذه المبادرة، في إشارة واضحة لرفضها، وعدم التعاطي معها.

ركز ولد الشيخ هذه المرة على المرتبات التي حرمها الموظفون منذ أكثر من ثمانية أشهر، والتي أعاد الإنقلابيون سببها إلى نقل البنك المركزي إلى عدن، بينما تعيدها الحكومة إلى سطو الإنقلابيين على السيولة النقدية التي كانت بالبنك المركزي، بما فيها الاحتياطي النقدي الذي يقدر بمايقارب خمسة مليارات دولار، إلى جانب تمنعهم عن توريد إيرادات الدولة إلى البنك، ومصادرة كل أرصدة المؤسسات والهيئات والصناديق الاستثمارية.

في الحقيقة صادفت عملية نقل البنك المركزي إلى عدن هوى في نفوس الإنقلابيين، وحققت لهم جانبا من مخططاتهم، فارتكبوا كل الجرائم بحق الشعب اليمني المسكين، فصادروا حقوقهم ومرتباتهم، وأطلقوا للتجار الجشعين العنان للرفع الجنوني للأسعار، والتحكم في أقوات الناس البسطاء، وخلقوا أسواقا سوداء لتجارهم الجدد الذين أصبحوا يتحكمون في حياة الناس وسبل معيشتهم، فالمواطن عند السلطة الكهنوتية مغنم يجب أن يفي بكل متطلبات الدولة الجديدة، بمليشياتها وحكامها وحربها، وحتى تجارها الجدد.

ولكن هل حقا يكمن حل مشكلة المرتبات في تسليم ميناء الحديدة للحكومة الشرعية؟ وهل سيتنازل الإنقلابيون عن الحديدة بحسب مقترحات ولد الشيخ؟

يعتبر ميناء الحديدة المنفذ الوحيد الذي يتحكم فيه الإنقلابيون، وعبره تدخل الأسلحة المهربة التي يستقبلها الإنقلابيون من الدول الداعمة لهم عبر التهريب، وتصل التجارة المختلفة إلى مناطق الإنقلابيين، وحتى إلى بعض المناطق المحررة، ومن خلاله تجني المليشيات مليارات الدولارات، توجهها لمجهودها الحربي، وإغناء أفرادها الذين كونوا من وراء ميناء الحديدة إمبراطوريات إقتصادية لم يكونوا يحلمون بها منذ قرون، ولذلك في اعتقادي لايمكن أن تتخلى المليشيات عن الحديدة طالما وفي عروقهم دما ينبض، وسيتشبثون بها بأسنانهم، ففيها حياتهم ومماتهم.

وعلى الرغم من التسريبات الناتجة عن لقاءات سرية تتم في مسقط بوساطة عمانية، والتي أظهرت قبولا مشروطا من قبل الإنقلابيين، إلا أن التصريحات التي تلت ذلك من قبل بعض القيادات الإنقلابية تؤكد أنهم غير مستعدين لتسليم الميناء، خاصة بعد مهاجمتهم لولد الشيخ، واتهامه بعدم الحياد، والإنحياز إلى صف من وصفوه بالعدوان، وبذلك فهم يدحضون بهذا خبر موافقتهم لأي مقترحات بشأن ميناء الحديدة، وهذا ما أكده وزير خارجية حكومتهم عند لقائه بالقائم بأعمال السفارة الإيرانية، عندما ذهب إلى أنهم لن يسلموا الحديدة للشرعية والتحالف.

بعض الإنقلابيين يرون أن هذه المبادرة تعتبر آخر شمعة تضيء في مسيرتهم الإنقلابية، وآخر فرصة تقدمها الأمم المتحدة كدعم لهم، ولذلك يرون أنه لابد من التعاطي معها، غير أن الجناح المتشدد في صفوف الإنقلابيين يرى أن ذلك هو المسمار الأخير في نعش بقائهم في السلطة، وينبغي رفضه، والتشبث بالسيطرة على كل المدن التي يسيطرون عليها، وبين الشمعة والمسمار يضيع مستقبل اليمن.

شاهد أيضاً

محمد اللطيفي: الحوثي..كجماعة احتلال ترفض “التخلي عن الأرض”

ظهر الناطق الرسمي لمليشيا الحوثي محمد عبدالسلام، هذه المرّة، أكثر تعجرفا، في رده على بيان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *