الرئيسية / أقلام وآراء / محمد العبد الرحمن: حكماء لشرعنة جرائم الإنقلابيين

محمد العبد الرحمن: حكماء لشرعنة جرائم الإنقلابيين

تتكرر عمليات التحشيد الشعبية من قبل إنقلابيي صنعاء، كلما فبركت أجهزة إعلامهم نصرا أو أحاطت بهم المدلهمات، وفي كل مرة يحشدون فيها أتباعهم في الميادين العامة تحدد لهم نوعية الشعارات، وسقوف المطالبات، ولايمنحون هامش حرية ليعبروا عن واقعهم، أو ما مورس في حقهم من اضطهاد، وكانت الشعارات والمطالب في كل الحشود إما تأييدا للقرارات المتخذة ضدهم، أو دعوة لسلطة الإنقلاب في الإيغال في امتهانهم، مما نتج عن تلك الحشود قرارات كان لها عظيم الأثر في إطالة اليد الممتدة إلى أعماق أعماق حقوق اليمنيين، وامتهان كرامتهم، ومصادرة حريتهم، وتكميم
أفواههم.

فمن حشود تأييد اغتصابهم للسلطة، إلى حشود مباركة نهب الوظيفة العامة، مرورا بحشود المطالبة بمصادرة المرتبات، تلتها حشود الدعوة لفرض حالة الطوارئ، ومتابعة الطابور الخامس، الذي أصبح الشعب اليمني بعدها طابورا خامسا، ومطاردا من قبل المليشيات، وانتهاء بحشد ما أسموه “حكماء وعقلاء اليمن” الذي دعا إليه الحوثيون في العاشر من رمضان.

هذه المرة لم يكن الحشد مواكبا للصورة المعهودة لحشود الإنقلابيين السابقة، وإنما كان ينحو منحا آخر، سواء في الزمان أم المكان أم نوعية المحتشدين، فقد كان الحشد في رمضان وفي صالة مغلقة، ولأشخاص سمتهم المليشيات الإنقلابية “بحكماء وعقلاء أهل اليمن”، مدعين أنهم يمثلون جميع المحافظات اليمنية، الشمالية والجنوبية والشرقية، حد وصفهم، ولم يظهر في ذلك الحشد أي حكيم أو عاقل يمتلك القوة للوقوف أمام من صادر حقوقه وحريته وكرامته، ناهيك عن مقدرتهم الإسهام في مناقشة الأوضاع والخروج بحلول للأزمة اليمنية.

حقيقة لم يعول اليمنيون، حتى الذين هم في مناطق سلطة الإنقلاب، على هكذا حشد، ولم يولوه أدنى اهتمام، فالجميع يعلم الأهداف التي جمعتهم، والغايات التي يسعون لتحقيقها من وراء هكذا حشد، خاصة وأن (العقلاء والحكماء) الذين أتوا بهم إما أفراد أمنيون (استخباراتيون) يعملون مع المليشيات، أو أشخاص (متمشيخون) متطلعون لمناصب وأموال المليشيات، أو أفراد من المليشيات ذاتها، ولذلك فإن ما خرجوا به لم يعد كونه دعوة اليمنيين للمزيد من الانبطاح أمام المليشيات، والإذعان في تسليم رقابهم وأموالهم وأبنائهم لها.

وعلى هذا الأساس وجهت مخرجات ذلك الحشد بشكل دقيق، ومتوقعة سلفا، فقد تضمن البيان الصادر عن ذلك الحشد 23 نقطة، لم يكن للشعب اليمني فيها نصيب، وإنما كان كلها دعوة لتعزيز الجبهات، ورفدها بالمال والسلاح والمقاتلين كواجب ديني ووطني، ومسئولية إلزامية ومقدسة على جميع القوى والمكونات الوطنية والسياسية وفئات وأبناء الشعب اليمني، وتسخير كل مؤسسات وأجهزة الدولة، وإمكانيات كافة القوى والأحزاب وفئات وأبناء الشعب اليمني لدعم مجهودهم الحربي، وهذا هو الهدف الرئيس الذي حشد الإنقلابيون حكماءهم لتمريره والتأكيد عليه.

لم يتكلف الإنقلابيون في تعبئة المحتشدين بشعارات جديدة، فشعاراتهم المعهودة التي نهبوا بها السلطة هي نفسها التي ضمنوها بيانهم الختامي، فالشراكة التي وقعوا لأجلها إتفاق السلم والشراكة مع الحكومة وأحزاب اللقاء المشترك، هي نفسها التي رددوها في بيانهم الأخير، وكأن الشعب اليمني لم يعش فترة انقضاض الحوثيين على السلطة، ولم يتأثر بالقرارات الإقصائية التي صادر الحوثيون بها كل الوظائف.

وكما تحدثوا عن الشراكة السياسية والمؤسساتية الزائفة، تحدثوا عن الشراكة المجتمعية، وبمغالطة طبعا، فبينما منعوا عن الناس مرتباتهم، وصادروا حقوقهم، وأثقلوا كواهلهم برفع أسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية وغيرها، وفرضوا عليهم الأتاوات والضرائب غير القانونية، وركلوا الشعب اليمني كله إلى هاوية الفقر والفاقة والمجاعة، إذا بهم يرفعون شعار التكافل الإجتماعي، والتراحم بين أفراد الشعب، وكأن حكومة الأمر الواقع مهمتها حددت في جلب الأموال من حلها وحرامها، وما على الشعب إلا أن يتكافل ويتعاضد لمد المليشيات بكل ما يملك طوعا أو كرها.

ولكن إذا وجد الإنقلابيون “حكماء” يشرعنون جرائمهم، ويباركون سرقتهم ونهبهم، وامتهانهم للشعب اليمني، فإنهم لن يجدوا “حكماء” يحتوون خلافاتهم، يرأبون تصدعاتهم، ويشابكون بين أطماعهم، خاصة وقد فاحت رائحة الخلافات بين حليفي الإنقلاب، وتبادلوا الإتهامات والتهديدات عقب ذلك الإجتماع مباشرة.

شاهد أيضاً

محمد العبد الرحمن : في تعز انتصارات عسكرية وانكسارات أمنية

لم تفتر عزيمة الجيش الوطني في تعز عن تحقيق انتصارات متتالية في مختلف جبهات المواجهة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *