الرئيسية / أراء مختارة / د. إدريس لكريني : شبكات التواصل الاجتماعي وحقوق الإنسان
د. إدريس لكريني

د. إدريس لكريني : شبكات التواصل الاجتماعي وحقوق الإنسان

أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي إمكانات مذهلة أمام الأشخاص لأجل التواصل والتعبير بشكل غير مسبوق، بعدما أصبحت هذه القنوات تعجّ بالمواقف والآراء المختلفة؛ مّا جعلها منبراً للدفاع عن الحقوق والحريات؛ والتعريف بمختلف المشكلات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وتحوّلت معه من آليات للتواصل إلى قنوات مؤثّرة وضاغطة.
وفّرت هذه الشبكات فضاء مهماً للنقاش، وتداول القضايا المجتمعية بجرأة كبيرة؛ ما جعلها تساهم في تشكيل وبناء توجهات الرأي العام وطنياً، ودولياً، كما سمحت بظهور ما يسمى بالمواطن الصحفي.. وفي تجاوز المفهوم التقليدي للسيادة، وترسيخ تواصل إنساني عابر للحدود، كما لا تخفى تأثيرات هذه الشبكات على مستوى دعم قضايا حقوق الإنسان؛ بعدما فتحت آفاقاً واعدة وواسعة أمام فئات مجتمعية للتعبير عن آمالها، وآلامها، وهو ما تحوّلت معه هذه التقنيات من نوافذ للتواصل والتعارف إلى منابر مؤثرة في ارتباط ذلك بإسماع الأصوات المهمّشة؛ وبناء اتجاهات الرأي العام داخل المجتمعات بصدد قضايا كبرى إقليمية، وعالمية.

وتشير التقارير والدراسات إلى تنامي الإقبال على فتح صفحات بهذه الشبكات في أوساط الشباب العربي؛ وهو إقبال يحمل دلالات كبيرة، خصوصاً إذا ما استحضرنا طبيعة القضايا والمواضيع والنقاشات التي تختزنها هذا الشبكات في ارتباطها بقضايا المجتمع المختلفة في أبعادها السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والحقوقية.
ومن بين الدلالات التي ينطوي عليها هذا الإقبال وبهذه النقاشات، هناك ضعف وهشاشة القنوات الوسيطة التقليدية في علاقتها بالقنوات الإعلامية الرسمية، والأحزاب السياسية، والهيئات النقابية التي لم تستطع أن تواكب تطور المجتمعات العربية بانشغالاتها، وقضاياها الراهنة.
استطاعت هذه الشبكات أن تطرح الكثير من القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات على أرضية النقاش، بشكل أثار جدالات حادة ومتباينة في مضامينها، ومراميها، بل إن الكثير من هذه المواضيع المثارة في ارتباطها بتدبير الشأن العام، أو تخليق الحياة العامة؛ أو فضح بعض الانتهاكات والخروق استطاعت أن تتحول إلى قضايا مجتمعية، وتفرض بذلك منطقها وبقوة على صانعي القرار.
لم يخل تطور هذه الشبكات من إشكالات قانونية نتيجة عدم قدرة عدد من مرتاديها على الموازنة بين حرية التعبير من جهة، ومتطلبات الأمن الرقمي من جهة أخرى، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى نشر الإشاعات، والتحريض على العنف، والسب، والقذف، والإساءة إلى حريات وكرامة الآخرين.
إن استثمار هذه التقنيات في قضايا بنّاءة تدعم تعزيز حقوق الأفراد وحرياتهم؛ يجد أساسه في مختلف التشريعات الداخلية والدولية في علاقتها بضمان الحق في الاتصال والإعلام.

ثمّة الكثير من العوامل التي أسهمت في تزايد اهتمام هذه الشبكات بقضايا حقوق الإنسان؛ فعلاوة على الأوضاع الصعبة التي تعيش على إيقاعها الكثير من دول المنطقة والتي لا تخلو من إشكالات إنسانية؛ مع تزايد الصراعات الداخلية على السلطة وتنامي التدخلات الأجنبية وما يحيط بذلك من معاناة وتضييقات تدفع إلى ركوب غمار الهجرة وطلب اللجوء؛ فقد ظهر جيل جديد من الحقوق يسائل الإنسانية جمعاء؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى الحق في بيئة سليمة؛ والحق في السلام، والحق في التنمية، والحق في التمكين، وفي الولوج إلى المعلومات.
كما أضحت هنالك رغبة لدى الكثير من الهيئات الحقوقية والأفراد في توظيف التكنولوجيا الحديثة خدمة لقضايا حقوق الإنسان؛ سواء على مستوى تيسير الولوج للمعلومات أمام بعض فئات من ذوي الاحتياجات الخاصة عبر تحويل النصوص المقروءة إلى مسموعة، أو على مستوى فتح منتديات ومجموعات تسمح بمناقشة قضايا ومعاناة هذه الفئات في إطار تواصل مفتوح عابر للحدود.. وهو ما جعل من هذه الشبكات متنفساً لتجاوز القيود السياسية والقانونية والاجتماعية التي تحدّ من حرية التعبير؛ أو الإكراهات التي تواجه القنوات الإعلامية التقليدية في هذا الخصوص.
وانطلاقاً من المسؤوليات التي يتحمّلها الإعلام بشكل عام على مستوى التنوير والتعبئة وتشكيل الرأي العام تجاه قضايا مختلفة؛ يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي أن تساهم في دعم وتعزيز حقوق الإنسان؛ عبر مستويين؛ الأول؛ أفقي من حيث ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً والتربية عليها؛ وبلورة نقاشات مفتوحة على مواضيع ذات الصلة.. والثاني؛ عمودي؛ من خلال تسليط الضوء على مختلف القضايا والمواضيع المتعلقة بمعاناة فئات معيّنة داخل المجتمعات؛ والمرافعة باتجاه تطوير التشريعات الداخلية والمصادقة على مختلف الاتفاقيات الدولية ذات الصلة؛ وفتح نقاشات حقوقية؛ وفضح الانتهاكات المختلفة التي تطال حقوق الإنسان.
أبرز تطور هذه الشبكات قصوراً واضحاً في أداء القنوات الإعلامية التقليدية التي لم تواكب الكثير من القضايا المجتمعية بالصورة المطلوبة؛ وهو ما فتح المجال لهذه الشبكات كي تفرض نفسها بقوة عبر استثمار هامش الحرية الذي يوفّره النشر الإلكتروني بشكل عام، غير أن هذا التطور – وكما أوضحنا- لم يخل من إشكالات في بعض الأحيان نتيجة لبعض المنشورات التي لا تخلو من مغالاة، وتطرف، أو تحريض؛ أو قذف، وإشادة بالعنف.. استطاعت أن تغطّي ب«إثارتها وحدّتها» على بعض الإسهامات والنقاشات الفكرية الهادئة التي طرحتها بعض النخب في هذا الخصوص.
إن السّرعة والآنية اللتين تطبعان التفاعل عبر هذه الشبكات على مستوى الانتشار والمقروئية؛ واقتران ذلك بالحرية التي تتيحها هذه الشبكات؛ من جهة أولى؛ وافتقار عدد من أصحابها لثقافة قانونية «حقوقية»؛ ولمقومات العمل الصحفي الاحترافي؛ والجهل أحياناً بالتشريعات المؤطّرة له من جهة ثانية؛ تجعل من حدوث انحرافات على مستوى التعاطي مع عدد من القضايا المطروحة للنقاش أمراً وارداً.
ويبدو أن كسب رهان دعم وترسيخ حقوق الإنسان عبر هذه الشبكات؛ لا يتوقف فقط على تطوير المنظومة القانونية بصورة توازن بين حرية التعبير من جهة، ومتطلبات الأمن المعلوماتي من جهة أخرى؛ بقدر ما يتطلب انخراط رواد هذه الشبكات في ترسيخ ثقافة احترام الحقوق والحريات وبلورة رسالة نبيلة تدعم هذا الخيار.

 

شاهد أيضاً

سلمان الدوسري :أخيراً… قطر تعترف بالخسارة

على لسان أميرها… أخيراً اعترفت قطر وبشكل رسمي أنها خاسرة من جراء المقاطعة الرباعية للدوحة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *