الرئيسية / أقلام وآراء / محمد العبد الرحمن: المخا بين إهمال الإنقلابيين واهتمام التحالف

محمد العبد الرحمن: المخا بين إهمال الإنقلابيين واهتمام التحالف

لعب ميناء المخا التاريخي أدورا كبيرة في الدولة اليمنية قديمها وحديثها، وأسهم في تنمية الإقتصاد اليمني عبر الحقب التاريخية المتتالية، وهو الميناء الوحيد الذي ارتبط اسمه بمنتج البن اليمني الأصيل الذي وصل إلى أكثر مناطق العالم، وأصبح يعرف بـ “Mocka Coffee” أي “بن المخا”.

اتجهت أنظار المستعمرين قديما نحو ميناء المخا، لموقعها الإستراتيجي القريب من باب المندب، وقربها من طرق التجارة العالمية، لكنها بقيت صامدة في وجه كل الحملات العسكرية التي تتالت عليها، وشامخة تصد قذائف مدفعية القوات البحرية التي استهدفتها، ولم تركع أمام الغزاة الغربيين الذين جعلوا منها وجهة لتحقيق أطماعهم، وتجريب أسلحتهم.

هاجمها البرتغاليون، ونزل في ساحاتها الفرنسيون، وحاول إجتياحها الإيطاليون، وفضل البقاء فيها البريطانيون، وجثم على أرضها العثمانيون، ورغم ذلك كله ظلت الميناء الأهم في اليمن، الذي يمد اليمنيين بالحياة.

تأثر ميناء المخا كثيرا بالإحتلال البريطاني لعدن، وتعرضت للإهمال جراء إنشاء العثمانيين ميناء الحديدة، وتطلع أبناء المخا خاصة وتعز عامة أن يشهد هذا الميناء تنمية وتطورا مع الثورة اليمنية، وفترة حكم صالح، غير أن الميناء زاد تدهورا بسبب تلك السياسة الإقصائية التي تعمدها النظام السابق لمحافظة تعز، وزاد في تدهوره ضم ميناء المخا إلى مؤسسة موانئ البحر الأحمر التي تشرف على ميناء الحديدة، والتي ركزت بشكل كبير وممنهج وفقا لتوجه النظام لتطوير ميناء الحديدة على حساب ميناء المخا، الأمر الذي ترابطت فيه الأحقاد والمصالح لتدمير الميناء، مما انعكس سلبا على أبناء تعز عامة ومدينة المخا خاصة، والخدمات التي يفترض أن تحصل عليها المدينة والمحافظة.

اتخذ النظام وزبانيته وقياداته العسكرية، ومعتوهو رجالاته من المخا مكانا آمنا للتهريب بأنواعه، سواء تهريب الأسلحة، أو المخدرات والخمور، أو السجائر والمشتقات النفطية، حيث جعلها النظام حكرا على شذاذ قيادات معسكراته الراغبين في خوض المغامرات للوصول إلى الثراء السريع دون تعب.

فأصبحت المخا بذلك موئلا للمهربين وملاذا لقطاع الطرق، وأصبح الميناء يشكو من الكساد والتهميش الممنهج الذي فرضه النظام السابق، ولم يستقبل الميناء سوى النزر القليل من البضائع المملوكة لشركة هايل سعيد أنعم وحسب، وبذلك أصبحت المخا أطلالا بعد ان كانت الميناء الرئيس لليمن عبر التاريخ، ومن أشهر موانئ العالم.

أصابت ميناء المخا لعنات وأحقاد المخلوع، وهي نفسها اللعنات والأحقاد التي أصابت محافظة تعز التي لم يرغب المخلوع يوما في تطويرها وتنميتها، فقد كان ينظر إليها نظرة تخوف ووجل، ولعل انتقامه اليوم من تعز هو انعكاس لأحقاده الدفينة على المحافظة وأهلها، على الرغم أن تعز هي من أوصلته ذات يوم إلى السلطة، غير أنه تنكر لها، وأبدى مخاوفه من أن تجبره على السقوط، وقد كان.

أحاط صالح مدينة المخا بمجموعة من الألوية العسكرية، وجعل بالقرب منها أهم معسكر في المنطقة، وهو معسكر خالد بن الوليد، وأوكل صالح إلى هذه الألوية حماية المهربين، وتجار المخدرات والأسلحة، وقطاع الطرق الذين يتخذون من بوابات هذه الألوية مقارا لقطع الطريق والنهب والقتل والسلب.

ومع الأمواج الطائفية الأخيرة، اجتاحت المخا موجة الغزو الإنقلابي الذي طم اليمن كله، ولم تكن بمنأى عن مخططات المليشيات، بل كانت هدفا رئيسا لتحقيق أطماعهم، فقد كانوا يعلمون ما الذي تعنيه المخا في عهد صالح، فعاثوا فيها فسادا، أيما فساد، ونشطت عمليات التهريب فيها بشكل أكبر مما كانت عليه سابقا.

ظلت المخا بأيدي قطاع الطرق من المليشيات الإنقلابية، حتى جاء الوقت الذي أعلنت فيه قوات التحالف العربي تقليم أظافر الإنقلابيين، وإغلاق المنافذ والبؤر التي تغذي معسكرات المليشيات بالأسلحة المهربة، فدفعت بالجيش اليمني قدما نحو الساحل الغربي، ابتداء بباب المندب، ومرورا بالمخا، وانتهاء بالحديدة.

دخل الجيش المدعوم من التحالف مدينة المخا، بعد معارك بطولية ضد مليشيات الموت، تم خلالها دحرهم عن المدينة والميناء، ثم انطلقت لتحرير المناطق المتاخمة لمدينة المخا، والطريق الرابط بين المخا وتعز من جهة، وبين المخا والحديدة من جهة أخرى.

ولكن هل سيترك الإنقلابيون المخا لتشق طريقها في التنمية؟

حاول الإنقلابيون مرارا إعاقة التحالف العربي في مدينة المخا عن إعادة الأمل للناس، وإنعاش الحياة من جديد، وإغاثة المتضررين، وإعادة الخدمات الأساسية، إلا أنهم عجزوا عن ذلك، وأصبحت مراكز الإغاثة القادمة من المملكة والإمارات متواجدة في المدينة بقوة، تقدم المزيد من الإعانات والخدمات للمواطنين، بما يحقق الأمن والاستقرار، ويعيد للميناء حيويته ونشاطه.

وعلى الرغم من استماتة الإنقلابيين لاستعادة المخا، أو حتى بعض المواقع العسكرية القريبة منها، ومحاولاتهم المتكررة استهداف مواقع الجيش اليمني بالصواريخ البالستية حينا، والقذائف المدفعية حينا آخر، إلا أنهم انكسروا أمام صمود وصلابة الجيش اليمني المسنود بقوات التحالف العربي، مما حملهم على العدول إلى استهداف سفن الإغاثة القريبة من السواحل اليمنية، والقادمة لإنقاذ أبناء اليمن، وانتشالهم من الوقوع الوشيك في مستنقع المجاعة التي أوصلتهم مليشيات الموت إليها، في محاولة لثني التحالف العربي والمنظمات الإغاثية عن تقديم المساعدات الإنسانية لمحتاجي اليمن، ولتهديد الملاحة البحرية، والقضاء على آمال اليمنيين المتطلعين للحياة.

وهنا يجدر بالحكومة أن تكون متواجدة في المدينة، والاضطلاع بمهامها تجاه إعادة الإعمار، وإعادة الخدمات للمدينة، والحفاظ على الأمن والاستقرار، وإعادة الأمل والحياة للمواطنين، وتطوير الميناء ليصبح بديلا عن ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الإنقلابيون.

ولا يختلف اثنان أن مستقبل تعز بل ومستقبل إقليم الجند كله متوقف على إعادة تنشيط ميناء المخا، وتنميته وتطويره، وتمكينه من المنافسة الحقيقية سواء على مستوى الموانئ اليمنية، أم موانئ المنطقة، خاصة وأنه يمتلك كل وسائل المنافسة، إذا ما أعطي أهمية حقيقية من الحكومة والتحالف.

شاهد أيضاً

محمد العبد الرحمن : في تعز انتصارات عسكرية وانكسارات أمنية

لم تفتر عزيمة الجيش الوطني في تعز عن تحقيق انتصارات متتالية في مختلف جبهات المواجهة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *