الرئيسية / أقلام وآراء / فؤاد أبو حجلة: تبادل أسرى أم تبادل أدوار؟

فؤاد أبو حجلة: تبادل أسرى أم تبادل أدوار؟

 

أكتب الآن وأنا أتابع على شاشات التلفزة تفاصيل ووقائع عملية تبادل الأسرى بين حزب الله اللبناني وجبهة النصرة في منطقة جرود عرسال اللبنانية. ورغم شعوري بالارتياح لهزيمة إرهابيي النصرة في معركة الجرود، إلا أنني لا أعتبر المعركة وقتلاها وجرحاها وأسراها من الجانبين موضوعا مهما إلا في سياق شذوذ المشهد وغرابته، حيث يمارس الطرفان دور الدولة رغم أنهما تشكيلان مليشياويان تمكن أحدهما من السطو على قرار الدولة اللبنانية وشارك الآخر في المشروع الشيطاني لهدم الدولة السورية.

تعودنا في السابق أن يكون تبادل الأسرى عملية نظامية تتم بين الدول المتحاربة وتجرى برعاية ومراقبة الصليب الأحمر الدولي أو الهيئات الحقوقية الدولية. لكن، لا شيء في منطقتنا يخضع للعرف، ولا حدود لفعل القوى الظلامية التي تتحرك بوحي وإيعاز الأجنبي وتنفذ أجندته سواء كانت هذه الأجندة أمريكية أم إيرانية.

يمكن القول إن تبادل الأسرى يجري بين حزب الله وجبهة النصرة، ويمكن القول أيضاً إن هذا التبادل يجري بين إيران والولايات المتحدة، وفي الحالتين تبدو الدولة اللبنانية التي تتم العملية على أرضها غائبة تماما، بل إن جيشها الوطني يكتفي بتأمين خروج الأهالي من ميدان المعركة إلى ملاذات آمنة!

في الواقع، لا يمكن النظر إلى ما يجري باعتباره عملية تبادل أسرى فقط، بل هو تبادل للأدوار حيث يلعب الحزب دور الدولة اللبنانية وتلعب الجبهة دور الدولة السورية.. ويتابع العالم كله التزام الطرفين بما تم الاتفاق عليه، وكأن هذا الاتفاق موقع بين حكومتين شرعيتين.

معيب ومخجل ما يجرى، ومستفز حد الغضب مشهد التعاطي الإعلامي مع تغييب الدول العربية باعتباره أمرا واقعا، بل ومقبولا من منابر إعلامية موجهة بعضها ملتزم بالتوجه الأمريكي وبعضها يتبنى الموقف الإيراني.

لكن الحالة ليست مختصرة في لبنان، ففي سوريا يتعاطى النظام مع المليشيات الإرهابية باعتبارها طرفا يمكن إنجاز الاتفاقات المناطقية الميدانية معه، ويجرى التفاوض المباشر أحيانا وغير المباشر في معظم الأحيان لتأمين الخروج الآمن للإرهابيين المسلحين من المناطق التي يهزمون فيها.

ويمنح ما يسمى بالمجتمع الدولي أيضا شرعية غير مستحقة للمليشيات الإرهابية التي يستضاف ممثلوها في لقاءات المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة سواء في جنيف أو موسكو أو غيرهما.

وفي ليبيا تتم عمليات مشابهة في الميدان، وتجرى لقاءات في العواصم الكبرى بين ممثلين يزعم بعضهم بتمثيله للدولة، وهو في حقيقة الأمر يمثل تنظيما أو تنظيمات مليشياوية ظلامية تصارع لمصادرة الدولة بقوة السلاح.

أما في اليمن فإن الدولة لم تعترف بالمليشيات الانقلابية، لكن المجتمع الدولي منح هذه المليشيات الطائفية شرعية سياسية من خلال اللقاءات التي جرت للبحث عن حل سياسي سلمي للصراع. وربما كان على المبعوث الأممي أن يكون أكثر حرصا في لغته وخطابه الذي يعتبر الحكومة الشرعية والمليشيا الانقلابية طرفين متساويين، لأن الإنقلاب لا يشرعن الطرف الذي نفذه، ولأن الصراع القائم في البلاد هو صراع بين الشرعية من جهة والتمرد عليها من جهة أخرى.

صحيح أن النتائج هي المهمة، لكن للرمزيات قيمتها الكبرى حين يتعلق الأمر بعصابات تصادر الدول وتسطو على قرارها.

لذا يظل أي تغيير في أي بلد عربي تغييرا غير شرعي ما لم يكن نتيجة لقرار الشعب وعبر صناديق الانتخاب أو الاستفتاء الشعبي.

ما بين نشوء الدولة العربية وزمن الربيع عقود كثيرة تراجع فيها مشروع الدولة إلى الوراء، وتحولت فيها بلاد كثيرة إلى مراتع للإرهاب وساحات للأجندات الغريبة. لكن البديهيات لا تتغير وستظل الدولة هي الدولة والمتمردون مجرد نشوز طارئ.

شاهد أيضاً

محمد العبد الرحمن : في تعز انتصارات عسكرية وانكسارات أمنية

لم تفتر عزيمة الجيش الوطني في تعز عن تحقيق انتصارات متتالية في مختلف جبهات المواجهة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *