الرئيسية / أقلام وآراء / فؤاد أبو حجلة: فنجان قهوة مهاجر

فؤاد أبو حجلة: فنجان قهوة مهاجر

أعاد مغترب عدني الحياة إلى مقهى زكو الشهير بعد سنوات من إغلاقه في موقعه الأصلي في عدن.

لا أعرف لماذا أغلق المقهى في عدن أصلا، لكن ما قرأناه عن المقاهي العريقة في المدينة يشير إلى تاريخ عريق من احتضان السياسيين والمثقفين المناوئين للاستعمار البريطاني، وتوفير مظلة مكانية للنخب المقاومة لثقافة الاستعمار ومقرا صار عنوانا لرموز المقاومة.

أغلق زكو في كريتر بعدن، لكنه يستعيد روحه الآن في أبو ظبي بمبادرة من مغترب لم تسلخه الغربة عن عدنيته، ولا نشك في أن الكثيرين من أبناء عدن واليمن كله سيقبلون على هذا المقهى الراسخ في الذاكرة الجمعية لليمنيين.

هل يحضر الوطن في فنجان قهوة؟!

نعم، فالغارق في الحنين يستحضر الوطن في لوحة على الجدار وفي رائحة البخور أو ملعقة عسل أو فنجان قهوة.

ولعل المهاجرين العرب القدامى في أقاصى القارات كانوا يستحضرون لبنان في أرزة مصاغة من الفضة ويستحضرون فلسطين في كوفية معلقة على جدار البيت ويرون مصر في تحفة صغيرة تمثل أبي الهول.

يحضر الوطن كله في فنجان قهوة، بل تحضر البلاد كلها في رائحة البن، ولعل من انتابهم الحنين إلى مساقط الرؤوس وهم غارقون في غربة مبالغة في غربتها يعرفون ما الذي كان يعنيه فنجان قهوة لعربي مهاجر في انجلترا، ويعرفون كيف تأخذ منقوشة الزعتر شكل خريطة الوطن.

القهوة تحديدا تحمل دلالات الوطن، ولا يعرف بشر في الدنيا سر ارتباط القهوة بالهوية مثل العرب الذين تأصلت في أرواحهم رائحة الهيل.

ولا تعرف أمة في الدنيا مثل العرب سر ارتباط القهوة بالكرم وشهامة الفرسان.. لذا تتميز القهوة العربية، مادة ومكانا، عن باقي الرموز بقيمة وطنية تكسبها قدسية اجتماعية تحميها من الاندثار.

لذا تظل القهوة بمعناها المكاني حاضرة، تتحرك في الجغرافيا، ولا تخرج من الخرائط، فتغلق قهوة (مقهى) زكو في عدن وتفتح في أبو ظبي. . وتظل القهوة بمعناها المادي حاضرة فيعيش البن العدني ويظل حيا رغم حصار البن البرازيلي والمكسيكي والهندي، ورغم ظهور النكهات التي تضيع الفرق بين فنجان المزاج وطبق الحلوى للكثيرين، وأنا منهم، فنجان القهوة هو بداية النهار، وهو رائحة الصبح، وأول شعاع للضوء، والحرف الأول في النص.

هو أيضا لازمة الصلح والقبول، ورشفة منه تنهي عداء السنين، وتفتح زمن المودة. فهو كلمة شرف والتزام علني لا يمكن التنصل منه ولو بقطع الرقاب.

ربما لأن للقهوة كل هذا الشأن في حياتنا، يصير افتتاح مقهى خبرا يستحق القراءة والمتابعة، ويصير الذهاب إلى المقهى في الغربة زيارة للوطن.

والقهوة مثل الناس، أشكال وألوان غامقة وفاتحة، منها الثقيل ومنها الخفيف، ولكل قهوة مزاجها، وقد تعودت منذ سنين على قهوة خاصة في الكويت، وقد حدث أن اختفت هذه القهوة إبان أزمة الكويت عام 1990، لكنها سرعان ما انتقلت إلى الأردن لتدخل كل بيوت عمان والسلط والكرك وليكون فنجان “العميد” مميزا للضيافة من الرمثا شمالا إلى العقبة جنوبا.

مقهى زكو يعود إلى الحياة في أبو ظبي، وقهوة العميد تتنفس في الأردن، وبن ازحيمان يشيع الحياة في صبح رام الله والقهوة المحروقة تعلن بداية النهار في بيروت.

وبين فناجين قهوتنا نقضي العمر بحثا عن كسوة للفنجان وللخريطة وللمنقوشة والمنحوتة والمصاغ لكي يكتمل الوطن.

شاهد أيضاً

محمد اللطيفي: الأمم المتحدة.. عودة للسلام من نافذة “الإنسانية”

 هل تنجح الأمم.المتحدة في نقل اليمن من ميادين المواجهات إلى طاولة المفاوضات؟ الإجابة على هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *