الرئيسية / أقلام وآراء / فؤاد أبو حجلة : منابر ومقابر

فؤاد أبو حجلة : منابر ومقابر

في فوضى الإفتاء وتأويل النص وتوجيه الخطاب الديني بعيدا عن روح العقيدة الإيمانية يصبح الموت نهاية مأمولة للمخدوعين الذين يحثون الخطى نحو هذه النهاية حالمين بحياة أخرى يعدهم بها سدنة المنابر الذين يشوهون مذاق الحياة ويقدمون الموت خلاصا نهائيا من تعب الدنيا!
وفي هذه الفوضى في بلادنا المستباحة للفقر وقلة الحيلة والحصارات التي تطارد العربي في رغيفه وحريته يصير الموت طموحا بديلا للأمل في حياة هانئة وأعمار قدرها لنا الله لنعيش وننتج ونحمد الله على نعمه الكثيرة.

هذا هو حالنا في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وهذا ما وصلنا إليه بعد عقود من التسامح اللامبرر مع دعاة الموت وشيوخ الظلام الملتقين مع كارهي العرب من التلموديين وبقايا المجوس الذين يعتلون المنابر في جوامعنا، ويقسمون الأمة بين سنة وشيعة، وبين مسلمين ومسيحيين، دون التطرق ولو بجملة أو فتوى صغيرة للعبث اليهودي في حاضرنا ومستقبلنا.

بعيدا عن المبالغة في الوصف أو الاستنتاج لا يخطيء المرء في الاعتقاد بأن العربي يعيش الآن في أحلك أزمانه وأكثرها بؤسا، ويجد نفسا مدفوعا بقوة التحريض والتحشيد الطائفي الغبي إلى حروب لا ناقة له فيها ولا بعير.

وحتى لا نظلم الخريف السياسي والاجتماعي الذي يسميه البعض ربيعا عربيا، لا بد من الاعتراف بأن التوجيه الظلامي للفتاوى والتأويل السياسي للنص الديني سبق هذا “الربيع” بسنوات، وقد صدمتنا حقيقة التحريض والتخندق الطائفي في الحرب اللبنانية في منتصف السبعينات، حين اصطف السنة في خندق القوى والأحزاب السنية واصطف الشيعة مع حركة “أمل” التي تربعت على عرش التمثيل الطائفي في الضاحية الجنوبية لبيروت والكثير من مدن وبلدات الجنوب اللبناني قبل ظهور “حزب الله”، بينما اصطف المسيحيون في خنادق حزب الكتائب الانعزالي و”القوات اللبنانية” التي خرجت من تحت عباءة هذا الحزب، وخاضت الحرب تحت شعار الطائفة. وقد أعقب تلك الحرب ترسيخ للمحاصصة الطائفية بكل ما في ذلك من تجني على الروح العربية للبنان بمسلميه ومسيحييه وعلى الريادة الثقافية والفنية لبلد الأرز والحرية. ولم يعد كل لبنان لكل أهله، وإن كان المسؤولون والمحللون يزعمون ذلك حتى الآن.

وصدمتنا بعد ذلك اصطفافات العراقيين في زمن الإنقلاب على النظام العربي وتمهيد الطريق للاحتلال الأمريكي ومن ثم التقاسم الوظيفي بين أمريكا وإيران في الداخل العراقي. وقد تزامن ذلك مع احتفال ملايين العراقيين بالخلاص من نظام أمم نفط العراق وقضى على الأمية في البلاد ورفع سوية الانتاج الصناعي والزراعي وأنفق المليارات على تطوير التعليم الجامعي، وجعل العراق قوة إقليمية قادرة على التصدي للأطماع الخارجية في البر وفي البحر وفي التراب العربي وما تحته من ثروات.
الآن، يسوء حالنا أكثر، ويشيع النموذجان العراقي واللبناني في بلاد عربية كثيرة تواجه مخرجات التحريض والفكر الظلامي والقوى الإرهابية الناشئة عن التعبئة المدروسة لجعل الموت بديلا للحياة على أرضنا.

والآن، تقع سوريا وليبيا واليمن ضحية لهذا النهج التخريبي، ويحمل إرهابيون مشروع تخريب وهدم الدولة في سوريا تحت شعار كاذب يزعم الدفاع عن حقوق السنة في البلاد، بينما يحمل إرهابيون آخرون مشروع تخريب وهدم الدولة في اليمن تحت شعار كاذب يزعم تمثيل الشيعة والدفاع عن حقوقهم في البلاد.

وفي سوريا كما في اليمن وليبيا ودول عربية أخرى تتواصل التعبئة الطائفية والتحريض الأسود على هدم الدولة، ويواصل شيوخ الظلام تزيين الموت في عيون الملايين من الشباب المحاصر بالقفر وبالقهر، وتحصد الحرب أرواحا كثيرة، ويظل من ينجو من الموت أسيرا للفكرة الظلامية، يبحث عن خلاصه بالموت، ولو بمعية آخرين أبرياء تحولهم صدفة المكان والزمان إلى ضحايا.

لن يتغير الحال إذا واصلنا التسامح مع شيوخ الظلام، ولن يتوقف الإرهاب عن حصد أرواح العرب إلا إذا سمينا الأشياء بأسمائها، وعرفنا أن سياسة “تغيير الخطاب الديني” لن تحقق أي نتيجة طالما ظلت المنابر طريقا إلى المقابر.

شاهد أيضاً

محمد اللطيفي: الأمم المتحدة.. عودة للسلام من نافذة “الإنسانية”

 هل تنجح الأمم.المتحدة في نقل اليمن من ميادين المواجهات إلى طاولة المفاوضات؟ الإجابة على هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *