الرئيسية / أراء مختارة / إدريس لكريني : الديمقراطية في مواجهة الأزمات
د. إدريس لكريني

إدريس لكريني : الديمقراطية في مواجهة الأزمات

تحيل الديمقراطية إلى كثير من المعاني والدلالات، وعلاقة ذلك بتداول السلطة بصورة سلمية، ومشروعة، واعتماد الشفافية والتعددية السياسية، وإلى المشاركة السياسية التي تسمح للمواطنين، نساءً ورجالاً، بتدبير شؤونهم، والتأثير في مختلف القرارات والسياسات العمومية عبر انتخابات حرة ونزيهة، إضافة إلى احترام حقوق الإنسان في بعدها الكوني، كما تحيل أيضاً إلى احترام القانون، واعتماد الحكم الجيد، وتمكين المرأة.. وإلى قبول الأقلية باختيار الأغلبية، تبعاً لقواعد لعبة متفق عليها مسبقاً..
تغيّر مفهوم الديمقراطية تاريخياً، تبعاً لتطور المجتمعات، وتعدد الرؤى، والمدارس الفكرية، والفلسفية، فهناك الديمقراطية المباشرة، وهي صورة تكتنفها الطوباوية والمثالية، لكونها تقضي باضطلاع المواطن بالحكم، وما يتصل به من تشريع، وتنفيذ مباشرة، من دون وسائط. وهناك الديمقراطية التمثيلية المبنية على اختيار المواطنين لممثليهم في مختلف المؤسسات التمثيلية، وهناك الديمقراطية الشعبية التي تنبني على المرجعية الاشتراكية، ثم هناك الديمقراطية التشاركية التي تقوم على المواطنة النشطة، وفتح المجال أمام مختلف الفاعلين للمساهمة في تدبير الشؤون العامة، وصناعة القرارات، كسبيل لتجاوز سلبيات الديمقراطية التمثيلية، وهناك أيضاً الديمقراطية التوافقية التي تنبني على الحكم الجماعي والتوافق بشأن العديد من القضايا الخلافية، وهو أسلوب ينسجم مع المجتمعات التي تعرف تنوعاً مجتمعياً واضحاً، يسمح بتذليل المشاكل التي يفرزها هذا التنوع كلّما تطور هذا النظام.

ويعتبر مفهوم الديمقراطية من بين المفاهيم الجديدة في الخطاب العربي الحديث، كنتاج للتحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي شهدتها المنطقة.. ورغم تداول مختلف العناصر والمؤشرات التي تتّصل بهذا المفهوم، فنادراً ما يتم ربطه بتدبير الأزمات.. والواقع أن الديمقراطية هي أسلوب لتدبير التنوع المجتمعي، وإدارة الأزمات بمختلف أشكالها.

وتحفل الممارسة الدولية بأشكال مختلفة من التجارب الديمقراطية، فقد شهدت الكثير من دول أوروبا، كإسبانيا واليونان والبرتغال، تحولات ديمقراطية بعد فترة السبعينات من القرن المنصرم، سمحت بتدبير الاختلاف وتجاوز مظاهر الاستبداد، كما عرفت العديد من دول أمريكا اللاتينية، كالأرجنتين والشيلي، تحولات مهمة في هذا الصدد منذ بداية الثمانينات، فيما راكمت الكثير من دول أوروبا الشرقية، كما هو الشأن بالنسبة لبولونيا ورومانيا، مكتسبات هامة في هذا الشأن، وبخاصة بعد نهاية الحرب الباردة، وتخلصها من هيمنة الاتحاد السوفييتي المنهار. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الدول الإفريقية، كما هو الأمر بالنسبة لجنوب إفريقيا.
وتظل المنطقة العربية من بين أبرز الفضاءات التي تفاعلت بشكل سلبي مع هذه الدينامية التي شهدتها الكثير من دول العالم منذ بداية التسعينات، بحيث لم تكتف بعض دولها بعدم بلورة إصلاحات سياسية بناءة، بل عمدت إلى التراجع عن بعض المكتسبات – على قلّتها – التي تحققت، من خلال تأبيد نظام الحكم، وبسط الهيمنة على المشهد السياسي، وسدّ كل أبواب المشاركة في السلطة أمام القوى المعارضة عبر العديد من الضغوط والقيود، كتزوير الانتخابات.

وساد نوع من الجمود في المشهد السياسي لعدد من دول المنطقة، وتراوحت الإصلاحات على قلّتها بين المد تارة، والجزر تارة أخرى، وبخاصة أن معظمها اتخذ طابع التسويق الخارجي، والتعتيم الداخلي، الأمر الذي عرّض الكثير من هذه البلدان لأزمات اجتماعية، وسياسية، واقتصادية مختلفة، وولّد مجموعة من الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية.

وأمام استحالة إعمال إصلاحات حقيقية بمبادرات داخلية، ظهرت مجموعة من المشاريع والضغوط الخارجية في هذا الشأن، وتتذرّع العديد من الأنظمة بالخصوصية الثقافية والاجتماعية في تعاملها «الحذر» مع قضايا الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واعتبرت أخرى أن الدعوات الداخلية والخارجية لإعمال إصلاحات سياسية، هي بمثابة مؤامرات تستهدف استقرار، ووحدة المجتمع، وسيادة الدولة، فيما أكّدت أنظمة أخرى أن الأولوية، ينبغي أن تنصب على إعمال إصلاحات اقتصادية وتحسين الأوضاع الاجتماعية.
وفشلت أنظمة المنطقة في بناء دول مدنية حديثة، قوامها القانون والمؤسسات، كما لم تنجح في تحقيق تنمية حقيقية تستحضر الإنسان كوسيلة وهدف، ويمكن إجمال أهم العوامل المسؤولة عن هذه الأوضاع في اعتماد دساتير تكرّس الهيمنة وانتشار الفساد بكل أطيافه، وتقزيم أدوار مختلف الفاعلين داخل المجتمع من أحزاب ونخب سياسية ومثقفة ونقابات ومجتمع مدني وإعلام، وتزوير الانتخابات ومصادرة حرية الرأي والاختلاف، وتدبير التنوع المجتمعي بصورة منحرفة، والاعتماد على مقولة المؤامرات الداخلية والخارجية لفرض الهيمنة وتجاهل العدالة الانتقالية كآلية لتجاوز إكراهات الماضي.

وأدت مظاهر الاستبداد بالمنطقة إلى بروز مجموعة من المعضلات، كتفشّي البطالة، والأمية، والفقر، ومصادرة مهامّ الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني والإعلام، وإفراغها من مدلولها كآليات يفترض أن تلعب دور صمام أمان يوازن بين مصالح الدولة والمجتمع.. كما تمّ تهميش الطبقة الوسطى وزاد تضييق الخناق الاجتماعي والاقتصادي عليها، فيما ضاق هامش الحريات، وهو ما خلّف حالة من اليأس وانسداد الأفق السياسي في أوساط المجتمع، ودفع بالكثير من القوى إلى اعتماد العنف والسّرية كسبيل للضغط والتأثير.

وقد أدّت هذه العوامل في كثير من الأحيان إلى أحداث سياسية واجتماعية خطرة ارتكبت فيها مآس وخروق طالت حقوق الإنسان، ما أسهم في تفشّي حالة من اليأس والإحباط داخل المجتمع، وفقدان الثقة بالمؤسسات.. بل أسهمت في تغذية وإذكاء مجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة، حيث اتخذ الصراع على السلطة طابعاً دموياً في كثير من الأحيان، كما تنامى نشاط الجماعات المسلحة والتيارات المتطرفة، وتضاعفت حدّة التدخلات الخارجية، فيما تفاقمت الأوضاع الاجتماعية في ارتباطها بالبطالة والفقر والأمية في عدد من دول المنطقة.

وما زالت بعض النّظم تردّ أسباب الأزمات إلى مؤامرات وتدخلات خارجية، والواقع أن اعتماد إصلاحات ديمقراطية يشكّل مدخلاً ناجعاً لتجاوز عدد من الإكراهات والأزمات التي ترزح تحت نيرها شعوب المنطقة، ما يعني إقرار دساتير ديمقراطية، وتخليق الحياة العامة، وبناء دول حديثة تتسع للجميع، واعتماد تدابير مصالحة حقيقية مع الماضي.

شاهد أيضاً

د.إدريس لكريني : أحداث 11 سبتمبر واختزال الأولويات

قبل أيام حلّت ذكرى أحداث 11 سبتمبر؛ ليعاد معها طرح الكثير من الأسئلة المتّصلة بمدى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *