الرئيسية / تقارير وتحقيقات / قطر .. منصة ثقافية للتطرف

قطر .. منصة ثقافية للتطرف

أخبار اليمنية

أثبتت الوقائع خلال المئة يوم الماضية أن الخلاف بين قطر ومحيطها العربي يتجاوز البعد السياسي والاقتصادي إلى ما هو أعمق، إلى جوهر الثقافة، ففي حين يسعى العرب الآن إلى كل ما يرسخ التسامح والسلام والتعايش، تقوم الاستراتيجية القطرية على دعم التطرف وتمويل الجماعات المتشددة.
يبرز الاختلاف الجذري في الرؤية الثقافية بين قطر ومحيطها العربي في تأكيد الدول المقاطعة للدوحة أن السياسة القطرية تعمل ومنذ سنوات على دعم وترويج ثقافة ترسخ للفكر الظلامي الذي ترجم على الأرض في أحداث تمس الأمن القومي العربي، حيث أوضحت المملكة العربية السعودية أن قطر دأبت على احتضان جماعات إرهابية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة، ومنها جماعة الإخوان المسلمين و«داعش» و«القاعدة»، والترويج لأدبيات ومخططات هذه الجماعات عبر وسائل إعلامها بشكل دائم، ودعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف من المملكة، وفي مملكة البحرين الشقيقة وتمويل وتبني وإيواء المتطرفين، الذين يسعون لضرب استقرار ووحدة الوطن في الداخل والخارج، واستخدام وسائل الإعلام التي تسعى إلى تأجيج الفتنة داخلياً، وأكدت الإمارات أنها اتخذت قرار مقاطعة قطر دبلوماسيا واقتصاديا بعد أن دعمت قطر الحركات الإرهابية، ونشرت عبر وسائل إعلامها الأفكار المتطرفة، وتنكرت لكل المواثيق التي تكافح الإرهاب والتي وقعت عليها والتزمت بها آنفا.

ولم يختلف موقف البحرين ومصر في بعده المفاهيمي الثقافي عن مواقف السعودية والإمارات الآنفة الذكر، إذ قالت البحرين إن قطر تستمرئ التحريض والعبث بأمن شقيقاتها وتنشر خطاب الكراهية وزعزعة الاستقرار، أما مصر فترى أن قطر حاضنة لجماعة الإخوان المسلمين المطلوبة لأحكام قضائية وتهم تتعلق بالإرهاب، وتؤكد مصر أن قطر تبذر عن قصد بذور الانقسام في المجتمعات العربية وتسعى بشكل ممنهج لذلك.

وتماهياً مع تلك المحددات التي تبين المواجهة بين ثقافة الاعتدال والتسامح وثقافة التطرف والتحريض على العنف والإرهاب، قامت النخب والمؤسسات الثقافية في بعض تلك البلدان الأربعة بعدة إجراءات تعكس فهمها لطبيعة الأزمة مع قطر، وتؤكد إصرار تلك النخب على دعم قرارات دولها المناهضة للإرهاب وثقافة التطرف والعنف.

لا مساومة مع الإرهاب
في هذا الإطار أصدر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بياناً يحث فيه جميع الكتاب والأدباء والمثقفين والعاملين في كل المجالات الإبداعية الكتابية في دولة الإمارات، على عدم التعامل مع أي جهة قطرية أفراداً أو مؤسسات، داخل الدولة أو خارجها؛ ومنع إجراء أي لقاء أو إقامة أي نوع من أنواع التواصل أو المشاركة في أي فعالية قطرية أو تابعة لقطر أو ممولة من قطر.
وأوضح حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة الاتحاد مبررات ذلك في بيان صدر عن الاتحاد بذلك الشأن: «عندما يتعلق الأمر بسلامة الوطن وأمنه واستقراره، فإن الحسم يصبح ضرورياً، إذ لا مجال للتردد والتلكؤ، فلا بد من سد جميع الثغرات التي يحتمل أن تستغل للعبث بسلامة الوطن ومصيره»، وشدد الصايغ في البيان على أن «الإمارات ما زالت من الدول الرائدة في مجال الانفتاح على مختلف الآراء والمواقف، لكنها في الوقت نفسه لم تساوم يوماً في الموقف من قضية الإرهاب ودعمه وتمويله، واعتبرت ذلك خطراً يتهدد المنطقة والعالم، ونحن إذ نتخذ قرارنا في مقاطعة دولة ثبت بالدليل القاطع ضلوعها في دعم الإرهاب، إنما نحمي حريتنا ومبدأنا، وندافع عن مناخات التعدد والانفتاح التي قامت عليها دولة الإمارات، منذ تأسست على يدي القائد الرمز المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ثم ترسخت وتجذرت وأصبحت أحد أهم عوامل نجاح المشروع الحضاري العربي في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله».
وفي الإطار نفسه قامت جمعية المسرحيين الإماراتيين بقطع كافة أشكال التواصل والتعاون والتنسيق مع الفنانين والمؤسسات القطرية، في رسالة مضمونها أن الفنانين والمسرحيين الإماراتيين متوحدون خلف القيادة الرشيدة للدولة، وقد شرحت الجمعية دوافعها بشأن تلك القضية، وقال بعض الأعضاء المسؤولين فيها إن الجمعية قطعت التعاون والتعامل مع الفنانين القطريين بعد أن لاحظت تورط عدد منهم في مهاترات وفبركات وادعاءات، لا تصدر عادة عن فنان يقدر قيم الخير والحق والجمال، ويتوسل بالفن للوصول إلى قلوب وعقول الآخرين، ولا يشتغل بالادعاءات والمزايدات.
وجاء في بيان صادر عن الجمعية بذلك الشأن أن «دولة الإمارات وقيادتها وحكومتها وفنانيها ومثقفيها ومفكريها وأدباءها وشعراءها وشعبها خط أحمر، لا نرضى لهم الإساءة بالقول أو الفعل أو غير ذلك، خصوصاً حينما تصدر هذه المهاترات والمغالطات من شخصيات ثقافية وفنية قطرية كنا نكنّ لهم كامل المودة والاحترام والتقدير».
وأضاف البيان واضعاً النقاط على الأحرف، ومبرزاً مسؤولية المثقف التي تليق به، إن على «جميع الفنانين القطريين التمسك بمسؤولياتهم الأخلاقية بأن لا يعلو صوتهم إلا بالحق ومن أجله، وأن يعودوا عن افتراءاتهم بحق الإمارات من كذب وبهتان، فشمس الإمارات ستظل صافية عالية مشرقة، ولن يحجبها حاقد أو مضلل أو غربال».
وقال رئيس جمعية المسرحيين الإماراتيين إسماعيل عبد الله في ذلك الشأن، إن البيان الصادر عن الجمعية يدين التصريحات الرعناء التي نشرها بعض الفنانين القطريين على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تحقيق مكاسب شخصية، وذلك عبر محاولة تجميل بشاعة السياسة القطرية التي تنتهجها مع أشقائها الخليجيين والعرب، ومحاولة تشويه الصورة الناصعة لدولة الإمارات بتصريحات وفيديوهات كاذبة حاقدة لا تشبه في وقاحتها إلا من أطلقها.
ولفت عبد الله إلى أن الجمعية تؤكد عبر هذا البيان وقوفها الكامل وراء قرار الحكومة الرشيدة بمقاطعة قطر، وأنهم يقطعون كافة أشكال التواصل والتعامل مع الفنانين القطريين والجهات الفنية القطرية، حتى ينصاع هؤلاء المضللون إلى صوت العقل والحق، ويحترموا تاريخهم ومكانتهم الفنية، بأن يكونوا أداة تسهم في نشر الحقيقة وتنأى عن الأكاذيب والادعاءات والبهتان.
وبدوره أكد حبيب غلوم أمين السر العام للجمعية تورط عدد من الفنانين القطريين في الإساءة للإمارات، واعتبر أن ذلك وصل ببعض الفنانين القطريين إلى اجتراح الأكاذيب والادعاءات، وفق أطروحات كوميدية ساذجة، فتمادوا بذلك في الغي بلا عقلانية، وطالوا اللحمة القومية، والخليجية، مدفوعين بمزايدة مفضوحة، ومتناسين أن رسالة الفنان تحتم عليه أن يكون رسول سلام، ومتحدثاً بلسان الحكمة.
وأكد غلوم أن الفنان الإماراتي يتعامل مع الأمور وفق نسقه القيمي المجتمعي، ووفق رسالة يؤمن بها، وركونه إلى الصمت، وتجنبه الانسياق أو الانزلاق لملاسنات جوفاء، هو في جوهره احترام لرسالة الفنان من جهة، وللشعب القطري الشقيق من جهة، وإدراكاً منه أن تلك الأصوات المسيئة للإمارات هي في مجملها فردية نشاز لا تعبر بشكل أصيل عن عدد كبير من الفنانين القطريين فضلوا الصمت في هذه المرحلة.
التراث العالمي في خطر
وفي السياق نفسه ارتأت النخب الثقافية في معظم الدول المقاطعة لقطر أن احتمال فوز مرشح قطر حمد الكواري بمنصب مدير عام «اليونسكو» قد يلحق كارثة ثقافية بالعالم، ذلك أن المنظمة الدولية تسعى منذ نشأتها إلى حماية الحضارة والتراث الإنسانيين، وإلى تفعيل القيم الثقافية الإيجابية بين الشعوب في مختلف مناطق العالم، وهو ما يتعارض مفاهيمياً مع التطرف والإرهاب وتدمير التراث العالمي الموحد الذي قامت به منظمات إرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» في مدينة تدمر مثلا.
ومن المعروف أن سياسة قطر تتماهى في الموضوع السوري مع الجماعات الإرهابية المقاتلة هناك كجماعة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، إضافة إلى «داعش» وغيرها، وذلك ما يشكل تناقضا مفاهيميا ثقافيا بينا مع سعي دولة قطر إلى الحصول على منصب الريادة في منظمة ثقافية عالمية ك«اليونسكو» تعمل على النقيض مما تعمل السياسة القطرية، وتركز على المحافظة على المكتسبات الحضارية الإنسانية والمحافظة عليها من عبث العابثين بها والذين يريدون تدميرها خدمة لأفكارهم المنغلقة.
ومن أجل ذلك فإن النخب والمؤسسات الثقافية المقاطعة لقطر وعت بشكل مبكر خطورة الاستمرار في ترشيح الكواري لذلك المنصب الثقافي الهام، وطالب بعضها بالتكاتف من أجل عدم نيل قطر ومرشحها لذلك المنصب، واعتبر بعض المحللين في هذا الشأن أن ذلك سيؤدي إلى تعطيل مسيرة تلك المنظمة الدولية التي دأبت على الحفاظ على الحضارة والتراث الإنساني، وذلك لأن قطر بسلوكها السياسي وثقافتها المعلنة المشتبكة والمتلاقية مع نهج الجماعات الإرهابية كما تقدم، لا يمكن أن تكون حامية حمى التراث الإنساني.
ويرى بعض المحللين أن قطر ستسعى من خلال تقديم عدة رشى وإكراميات من أجل الاستحواذ على أكبر عدد ممكن من الأصوات التي تصوت على اختيار منصب مدير عام «اليونسكو»، وهو سلوك يجافي السلوك الثقافي اللائق بالدول التي تحترم الإنسان وتكرمه، ذلك أن الحصول بشكل متكرر كما تفعل قطر على مناصب وامتيازات ثقافية وإنسانية عن طريق الرشاوى وشراء الذمم يكرس تقليدا من شأنه الإساءة للثقافة العالمية وتدمير قيمها الإيجابية، واعتبر بعض المثقفين أن قطر تسعى للسيطرة على بعض المنظمات الدولية من أجل البحث عن دور في المجتمع الدولي، في حين أنها لا تملك أي مقومات علمية وثقافية، تؤهلها لذلك.
ويرى بعض المشتغلين بالثقافة في العالم العربي أن قطر تتحرك في إطار الحصول على إدارة «اليونسكو» لأنها تسعى جاهدة لأن يكون لها تاريخ من لا شيء، غير أن قطر تقع في مفارقة مكشوفة لأن العالم كله بات يعرف مخططاتها ويرفضها، وبالتالي من السهل جدا إدراك العالم أنه لو فازت قطر بمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية المعنية بالثقافة والفنون والآداب والتعايش والحوار بين الشعوب، وهي التي لا تعترف بالحوار والتعايش بين البشر، بل تدعم الإرهاب والتطرف بأشكال مختلفة. وإضافة إلى ذلك السلوك غير الثقافي في جوهره وما يمكن أن يكرسه كنموذج سيئ، فإن قطر ستعمل أكثر فأكثر من خلاله على تكريس التفكك العربي وإدامته بغية تفردها كدولة تمتلك امتيازات عالمية ثقافية تسمح لها بتمرير بعض أجنداتها السياسية وتقديمها للعالم بشكل وصورة مغايرين.
ولعل ذلك ما حدا ببعض المتابعين لهذا الموضوع المتعلق بترشيح قطر أحد مثقفيها لنيل المنصب الأرفع في «اليونسكو» وفي مؤسسات الثقافة العالمية، إلى القول بأنه إذا استطاعت قطر تمرير مرشحها وأجندتها من وراء ذلك فإن ذلك سيحدث هزة عالمية ثقافية، قد تدخل العالم كله عصور الانحطاط القيمي والأخلاقي، وستصاب الثقافة العالمية بعار لن تمحوه بسهولة كل إنجازات السنوات القادمة.
تواصل سياسة شراء الذمم
في سياق محاولات قطر فك الشرنقة التي أدخلت نفسها فيها، حاولت إحداث اختراقات ثقافية ضمن ذلك، فقامت في هذا الإطار بتوجيه إدارة معرض الدوحة للكتاب بمخاطبة دور النشر المصرية، من أجل إغرائها بالمشاركة في المعرض، وذلك تحت ذريعة أن الخلافات بين قطر ومحيطها العربي سياسية فقط، لا علاقة لها بالمجالات الأخرى التي تأتي الثقافة في مقدمتها، لكن تلك الحيلة لم تنطلِ فيما يبدو على المؤسسات الثقافية المصرية، بل وشكلت فرصة لإدانة محاولات الخداع القطرية، والتنبيه على ضرورة مقاطعة قطر ثقافيا.
وفي هذا السياق رفض الكثير من المثقفين المصريين محاولات قطر اجتذاب بعض دور النشر المصرية للمشاركة في المعرض، واعتبروها استمراراً لدأب الدوحة في شراء الذمم ؛ وشددوا على أنها لن تجدي نفعاً ولن تؤتي ثماراً؛ لأن هناك موقفاً ثابتاً من جميع مثقفي مصر تجاه السياسات القطرية بشكل عام، والتي تدعم الإرهاب والتطرف بأشكاله المختلفة؛ وتدعو إلى شق صف الوحدة العربية، وتعمل بشكل مستمر على البحث عن دور إقليمي مشبوه، ومكانة لا تستحقها. وطالب البعض بإسقاط عضوية الناشر الذي يشارك في معرض الدوحة للكتاب من اتحاد الناشرين المصريين.
وأبرز رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد أن ثمة مقاطعة رسمية من مصر وغيرها من الدول العربية لقطر بسبب سياساتها، وأنه يجب الالتزام بذلك من قبل جميع دور النشر، وأكد أن أي دار نشر مصرية ستشارك، ستعتبر مخالفة لقرار المقاطعة، وأن ذلك هو أمر مرفوض تماما.
وإجمالاً يمكن القول إن الحركة الثقافية في الدول العربية التي قررت مقاطعة قطر، تنحو باتجاه اعتبار المواجهة مع قطر مواجهة حتمية مع ثقافة لا يمكن التعايش معها أو السكوت عليها، لأن ذلك يهدد الاستقرار والأمن لا في الدول الأربع فقط، بل في العالم العربي ككل، ولا مناص من أخذ مواقف وإجراءات حازمة وسريعة تؤدي إلى عزل قطر ثقافيا تماما كما عزلت سياسيا واقتصاديا، ومن ثم إجبارها على تغيير ثقافتها والعودة من جديد إلى الطريق الصحيح الذي يجمعها بأشقائها وجيرانها العرب.

شاهد أيضاً

حقائق وأرقام توضح أهمية إقليم كتالونيا لإسبانيا

أخبار اليمنية أعلن أخيرا إقليم كتالونيا “الاستقلال” عن إسبانيا، في وقت توعدت مدريد بأخد إجراءات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *