الرئيسية / أقلام وآراء / فؤاد أبو حجلة: الشيخ.. والحرب

فؤاد أبو حجلة: الشيخ.. والحرب

يخطيء من يظن أن الشباب هم وقود الحرب، فهؤلاء قادرون على تدبير أمورهم حتى وهم ينخرطون في القتال، بعكس ضحايا الحرب الذين يكبرون الشباب أو يصغرونهم سنا، وأعني فئتي المسنين والأطفال.

الشيوخ والأطفال هم وقود الحرب وضحاياها في اليمن وفي كل البلاد المبتلاة بالحروب والصراعات المسلحة، وهم الذين يسددون فواتير الصراع جوعا ومرضا وتشردا وموتا في العراء.

في اليوم العالمي للمسنين الذي يصادف الأول من أكتوبر من كل عام، تنشط الجهات الدولية والمحلية المعنية بالمسنين في تسليط الضوء على واقعهم، وتنظم الحملات الإعلامية والأنشطة الاجتماعية للاحتفال بهم، لكن ذلك لا يتجاوز التقاط الصور وأحاديث الذكريات مع كهول عاشوا تجارب كثيرة يستذكرون حلوها ومرها ليهربوا ولو قليلا من واقعهم المزري وصعوبات الحياة في بلاد تستسلم للفقر أو تمزقها الحروب.

وبينما يحظى المسنون في الغرب بالرعاية الحكومية والتأمينات المعيشية والصحية وحتى الرعاية النفسية، ويعيشون على نفقة الدولة التي تصرف لهم رواتب الكهولة ردا للجميل ومكافأة لهم على ما قدموه لدولهم ومجتمعاتهم من جهد وعطاء في سن الشباب، فإن المسنين في بلادنا، يقضون كهولتهم وهم يبحثون عن الستر في كنف أولادهم أو من يجود عليهم بالعون ويمد لهم يد المساعدة في تأمين المأوى.

وإذا كان الفقر معذبا للمسنين في أوقات السلم، فإن الحرب تجعل حياتهم مستحيلة في مجتمعات تحسم خلافاتها بالسلاح وتنهمك في المواجهة التي تنفق عليها بسخاء على حساب الفئات المستضعفة من الشيوخ والأطفال والمرضى وذوي الإعاقة.

في اليمن، وحسب الاحصائيات المختلفة هناك قرابة مليون مسن، ويعيش هؤلاء، مثل غيرهم من مواطنيهم من الفئات العمرية الأخرى، واقعا صعبا تزيده الحرب قسوة. ولولا طبيعة المجتمع اليمني والتكافل الاجتماعي الذي يميز أهل اليمن، لكان عددهم أقل من ذلك بكثير، ولكانت أمراض الشيخوخة والجوع والوحدة قد فتكت بالكثيرين منهم.

ولعل واقع المسنين اليمنيين الصعب في زمن الحرب لا يختلف كثيرا عن واقعهم في زمن ما قبل التمرد الانقلابي، حيث أدى فساد حكم المخلوع إلى تفشي الفقر في البلاد التي لم يكن فيها إلا أربع دور فقط لرعاية المسنين، بينما كان جل موازنة الدولة يذهب في الانفاق على الرئيس وعلى تحالفاته واسترضاءاته للمحظيين والمقربين منه.

صحيح أن دولة الرفاهية غير متحققة الآن ولم تكن متحققة في اليمن طيلة العقود السابقة، وصحيح أيضا أن المطالبة بنسخ النموذج البريطاني أو الألماني في دولة الرفاه لكل مواطنيه ضرب من الوهم والعبث الذهني، لكن هناك حدودا دنيا ينبغي الالتزام بها في معالجة مشكلات الشيخوخة والاهتمام بالمسنين في الدولة، وإيجاد ملاذات آمنة لهم، ليس من الحرب فقط، ولكن من الفقر والعوز أيضا.

صحيح أيضا أن التكافل الاجتماعي قائم في اليمن، لكن الاعتماد على هذا التكافل كحل لمشكلة العجز في الكهولة يعني تحللا من المسؤولية تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة، ومن يستحقون، على الأقل رواتب تقاعدية أو إعانة اجتماعية تكفل لهم الحد الأدني من العيش بكرامة.

ربما تكون الدعوة إلى تحقيق الإنصاف لكهول اليمن دعوة بلا صدى وسط ضجيج القصف المدفعي في الحرب التي تعصف بالبلاد منذ التمرد الانقلابي الأسود، لكنها دعوة ينبغي ألا تغيب أو تضعف مهما بلغت حدة المواجهة لأن شيوخ اليمن كانوا بناة للبلاد، وهم الذين يعتبرون ترابها مأواهم في الحياة ومستقرهم الأبدي بعد الرحيل.

لا ندعو لتكريم شيوخنا، لكننا نطلب لهم بعضا من حقهم.

شاهد أيضاً

محمد اللطيفي: الأمم المتحدة.. عودة للسلام من نافذة “الإنسانية”

 هل تنجح الأمم.المتحدة في نقل اليمن من ميادين المواجهات إلى طاولة المفاوضات؟ الإجابة على هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *