الرئيسية / أقلام وآراء / محمد العبد الرحمن: معركة العام الدراسي في صنعاء

محمد العبد الرحمن: معركة العام الدراسي في صنعاء

في مثل هذا الموعد من كل عام يتم تدشين العام الدراسي، وتفتح المدارس أبوابها لاستقبال الطلاب بعد إجازة طويلة للعودة إلى مدارسهم، هكذا هم الطلاب في كل بقاع الأرض، إلا في اليمن لازالت المدارس مغلقة، ولازال الطلاب في إجازة مفتوحة، والمدرسون في إضراب مفتوح مطالبين بمرتباتهم التي لم يلتفت إليها أحد من المسئولين في حكومة الإنقلاب، وأصبح أولياء الأمور يرقبون مصير أبنائهم بحرقة وألم، ينتظرون الحكومة الموقرة لحل مأساة أبنائهم، وإنقاذهم من الضياع في الشوارع.

وكعادتها، تتعامل حكومة الإنقلاب مع العملية التعليمية كمشكلة بسيطة تتكفل الأيام بحلها، دون أن تجهد الحكومة نفسها في الخوض فيها، فالمشكلة الأم والأهم عند الإنقلابيين تكمن في استقطاب الأطفال لإرسالهم للجبهات، وهكذا أراد لها السيد، وما عليها إلا أن تنفذ أوامره وتملأ الجبهات بالأطفال المقاتلين، وهل ثمة فرصة أفضل من أن تغلق المدارس أبوابها ليسهل على الحكومة ومن ورائها الحوثيين الزج بالأطفال إلى جبهات القتال؟!

الحوثيون يعلمون جيدا أن فرصة بقائهم مرتبطة بوجود جيل أمي لايفقه ولايعلم شيئا، ومن مصلحتهم أن تبقى المدارس مغلقة، ويعم الجهل كما عم الفقر والمرض أرجاء اليمن، وهو ما حملهم منذ ظهورهم على استهداف المدارس والمؤسسات التعليمية، وإغلاق كثير منها، وبحسب التقارير فإن أكثر من 78 % من المدارس مغلقة بسبب تضررها من الحرب، منها 22 % تم تحويلها من قبل المليشيات إلى ثكنات عسكرية ومقار للنازحين، الأمر الذي أدى إلى خروج 1.4 مليون طفل من المدارس منذ بدء الحرب، أغلبهم أصبح عرضة للدفع بهم إلى جبهات الموت للدفاع عن الإنقلابيين.

وإذا كانت هذه الأرقام مصاحبة للإنقلاب خلال الثلاث السنوات الماضية، فإن الأمر اليوم زاد سوءا، والمدارس التي كانت مفتوحة لحقت أخواتها، وأصبحت المدارس كلها مغلقة بسبب دعوة نقابات التعليم الإضراب الشامل حتى صرف مرتبات المعلمين والتربويين، ما جعل منظمة اليونيسف تحذر من أن 4.5 مليون طالب وطالبة قد يحرمون من التعليم هذا العام بسبب إغلاق المدارس وعدم صرف مرتبات المعلمين والمعلمات من قبل حكومة الإنقلابيين.

وتحت ضغوطات نقابات المعلمين بصرف مرتبات المعلمين ومطالبات أولياء الأمور بفتح المدارس، برز صراع في أوساط حكومة الإنقلابيين، ليس للنهوض بالعملية التعليمية والارتقاء بها، وإنما لإجهاضها وضرب المسمار الأخير في نعشها، فبينما حدد بن حبتور بدء تدشين العملية التعليمية في 15 أكتوبر على أمل إيجاد حل لصرف مرتبات المعلمين، ذهب وزير الحوثيين إلى تدشينها في 30 سبتمبر في تحد صارخ لإضراب المعلمين، وبين الموعدين يضيع الأمل البسيط لدى أولياء الأمور في تعليم أبنائهم.

ومع تزايد تعقيدات المشكلة خاض الحوثيون وحكومتهم في حلول بعيدة عن التطبيق، ولاتأخذ في مسارها تضحية المعلمين ومن ورائهم المواطنين لعام كامل سابق، وصبرهم على ظلم وجشع الحكومة في الاعتبار، فقد أخذت الحكومة والحوثيين بحث الحل من طريقين: الطريق الأول يتمثل في تحميل أولياء الأمور تكاليف مرتبات المعلمين كاملة، وقد كلفوا رئيس حكومتهم بن حبتور بالولوج من هذا الباب، والضغط على المعلمين بقبوله كحل وحيد لدفع المرتبات، ويتمثل ذلك في إقامة صندوق لجباية الأموال التي ستفرض كرسوم إضافية على المشتقات النفطية والمكالمات وغيرها يتحملها المواطنون، الذين يعانون كثيرا من وطأة المعيشة ورفع الأسعار التي فرضها الإنقلابيون، أو فرض 5000 ريال على كل طالب مقابل التسجيل و1000 ريال شهريا، وتخصيصها كمرتبات للمعلمين، خاصة وأن سياسة الإنقلابيين تقوم على تحميل المواطنين كل نفقات الدولة، وليس لهم لدى الدولة أي حقوق.

الطريق الآخر وهو أن يتأبط الوزير الحوثي بالمعلمين شرا، فيفرض بقوة السلاح فض الإضراب، وإجبار المعلمين على التدريس، وقد برزت بوادر هذا التوجه عندما تمنع الوزير عن حضور إجتماعات بن حبتور مع نقابة المهن التعليمية، مهددا بفتح المدارس بالقوة، واستبدال المضربين بعناصر من كوادرهم، وما أكثر الأميين في جماعته الذين على استعداد للتدريس!.

ولم يقتصر تهديده عند هذا الحد وإنما قادته غطرسته إلى التهديد باعتقال كل المعلمين والمعلمات المضربين، بتهمة الخيانة والتآمر مع العدوان حد قولهم، وهو السلاح الذي تستخدمه الجماعة ضد من لم يخضع لأوامرها، وقد بدأ الحوثي بتنفيذ تهديداته باقتحام مدرسة للبنات في العاصمة صنعاء.

وبين أهداف الحوثيين التي يسعون لتحقيقها وإغلاق المدارس أبوابها وفشل الحكومة في تقديم الحلول يقف أولياء الأمور عاجزين عن توفير فرصة لتعليم أبنائهم، فالمدارس الخاصة التي يفترض أن تكون بديلا رفعت التكاليف بشكل كبير ماجعل الأهالي غير قادرين على تدريس أبنائهم فيها لانعدام المرتبات، وفي الوقت نفسه يتخوف أولياء الأمور فيما إذا بقي أبناؤهم خارج المدارس من أن تجرفهم المليشيات بالقوة إلى جبهات القتال، وأصبحوا بين أمرين كلاهما أمر من الآخر: إما المجازفة وتحمل الديون لتعليم أبنائهم في مدارس خاصة، أو تسليمهم لقمة سائغة للحوثيين للزج بهم إلى جبهات القتال، ومن ثم استقبال جثثهم أشلاء في توابيت.

شاهد أيضاً

فؤاد أبو حجلة: التفاهمات الفلسطينية.. هل هناك نسخة يمنية؟

أخبار اليمنية بشكل أو بآخر، ترتبط قضايا المنطقة ببعضها، ويرتبط التسخين والتبريد في الصراعات القائمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *