الرئيسية / أراء مختارة / كمال الجزولي : السودان.. ماذا وراء رفع العقوبات؟

كمال الجزولي : السودان.. ماذا وراء رفع العقوبات؟

حين كان الرئيس الأمريكي السابق أوباما يتأهب، في يناير 2017م، لمغادرة البيت الأبيض، أصدر قراراً معلقاً على خمسة شروط ينفذها السودان خلال ستة أشهر (يناير يوليو) كي ترفع عنه العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليه الولايات المتحدة قبل عشرين عاماً، منذ أيام الرئيس الأسبق بيل كلينتون، عام1997م، شاملة تجميد أصوله المالية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية إليه، وحظر الشركات والمواطنين الأمريكان من التعامل الاقتصادي معه. غير أن ترامب، بعد دخوله المكتب البيضاوي، وضع ثلاثة شروط إضافية، كما زاد المهلة الممنوحة للسودان ثلاثة أشهر أخرى (يوليو أكتوبر)، كي يقرر ما بين رفع العقوبات وبين الإبقاء عليها، رغم إقرار الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية، وقتها، بأن حكومة السودان حققت ما أسماه «خطوات مهمة» في العديد من المسارات.

شروط أوباما الخمسة كانت: إنهاء العمليات العسكرية في المناطق الثلاث (دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان)؛ والتعاون مع أمريكا للقضاء على «جيش الرب» الأوغندي؛ وعدم تقديم الدعم لمتمردي جنوب السودان؛ والسماح لمنظمات العون الإنساني بحرية الحركة؛ فضلاً عن التعاون مع أمريكا في مكافحة الإرهاب. أما شروط ترامب الإضافية فكانت: تحسين سجل حقوق الإنسان؛ وإتاحة حرية الشعائر الدينية؛ والالتزام بقرار مجلس الأمن بعدم التعامل مع كوريا الشمالية. فكيف تعاطى الجانبان، السوداني والأمريكي، مع هذه الشروط، علماً بأن أكثرها يتصل، ولو مظهرياً، بمصالح الشعب الحقيقية؟

أبدت حكومة السودان أتم الاستعداد للأخذ بهذه الشروط. غير أنها لم تزد، عملياً، على الإقدام، ربما، على التعاون ضد جيش الرب، كملمح لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن إقدامها المؤكد على وقف تعاملاتها مع كوريا الشمالية، في مشتريات السلاح، بالذات، بل وتسليمها الولايات المتحدة أرقام الحسابات البنكية بين الدولتين (الفايننشيال تايمز؛ 4 أكتوبر 2017م).
مع ذلك أعلنت إدارة ترامب، الجمعة 6 أكتوبر/تشرين الأول، رفع العقوبات، وإنهاء الحظر الاقتصادي، حتى قبل أسبوع من الموعد المحدد لذلك ب 12 أكتوبر؛ مثلما كان السودان الدولة الوحيدة التي رفع اسمها، في سبتمبر/أيلول المنصرم، من قائمة الدول التي فرضت قيوداً صارمة على دخول مواطنيها الولايات المتحدة.
فإذا كانت نية أمريكا اتجهت، حقاً، إلى رفع العقوبات مقابل تنفيذ مجموعتي شروط أوباما، وترامب المذكورتين، فإن إقدام الحكومة الأمريكية على إتمام تنفيذ ما يليها من (الصفقة)، رغم اقتصار تنفيذ الحكومة السودانية على شرطي (جيش الرب) و(كوريا الشمالية)، فقط، ليكشف، في واقع الحال، عن أن بوصلة المصالح، في هذه (الصفقة)، تتخذ منحى أمريكياً لا تخطئه العين.

إلى ذلك ثمة ملاحظات أخرى لا تقل أهمية، وينبغي أخذها في الاعتبار، ونعرض لأبرزها في ما يلي:
أ/ أمريكا لم تفكر، طوال عشرين سنة، في رفع هذه العقوبات، أو حتى تخفيفها، إلا بعد أن شكلت موضوعة (الإرهاب) خطراً يتهددها، ما يؤكد على اتجاه رأس بوصلة (الصفقة) نحو المصالح الأمريكية وحدها. فشروط أيٍ من الرئيسين لم تشمل، مثلاً، قضية (الهجرة غير الشرعية)، رغم أن السودان متهم بأنه أحد معابرها، وما ذلك إلا لكونها تسبب صداعاً لأوربا، لا لأمريكا. ب/ لا تزال متبقية العقوبات التي لم يشملها أي من قراري الرئيسين، ما يعني أن واشنطن تحتفظ بها لوقت (الحاجة)، كإدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب (1993م)، وقانون سلام السودان (2002م)، والعقوبات ضد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (2006م)، علماً بأنها من اختصاص الكونجرس، لا الإدارة التي لا تملك سوى رفع التقارير له عن المعنيين بهذه العقوبات، ليقرر بشأنهم.

ج/ كذلك، وإضافة إلى ما تكشف من عدم فعالية العقوبات، باعتراف إدارة أوباما، فإن من أقوى دوافع أمريكا لاعتماد استراتيجية رفعها أو تخفيفها، تصاعد المواجهة بينها وكوريا الشمالية، لحرمانها من استقطاب أي حلفاء، عسكرياً، أو دبلوماسياً، أو اقتصادياً. وبحسب مسؤول في الخارجية الأمريكية فإن واشنطن خاطبت الخرطوم صراحة بأن الفعالية والحيوية في علاقاتهما تتصل بمدى الالتزام بقرارات مجلس الأمن في شأن معاقبة كوريا الشمالية، لا سيما وأن الأمم المتحدة اتهمت السودان بالتعاون مع هذه الدولة في مجال تجارة الأسلحة.

د/ أخيراً، فإن وراء قرار الإدارة الأمريكية عوامل جيوسياسية متنوعة، لهل علاقة بالوضع الإقليمي، ثم بغرض تشجيع حكومة السودان على الابتعاد عن إيران. وكان لا بد، كذلك، من مكافأة الحكومة على تعاونها في حل أزمة جنوب السودان، بتوقفها عن إرسال الأسلحة وتوفير الدعم المادي للمتمردين.

 

شاهد أيضاً

سلمان الدوسري :أخيراً… قطر تعترف بالخسارة

على لسان أميرها… أخيراً اعترفت قطر وبشكل رسمي أنها خاسرة من جراء المقاطعة الرباعية للدوحة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *