الرئيسية / أقلام وآراء / محمد العبد الرحمن: الفلسطينيون مصالحة في زمن الانقسام

محمد العبد الرحمن: الفلسطينيون مصالحة في زمن الانقسام

أخيرًا تكللت الجهود المصرية في الوساطة بين حركتي فتح وحماس بالنجاح؛ ووقع الفلسطينيون في القاهرة الخميس الماضي إتفاقًا للمصالحة، وإنهاء الانقسام، في أجواء فرائحية فلسطينية قيادية وشعبية منقطعة النظير، أصابت العالم كله؛ وخاصة المراهنين على الانقسام والداعمين للفتنة؛ بالذهول، إذ لم يكونوا متوقعين هذه النهاية الإيجابية.

فقد حاولت كثير من الأطراف الخارجية؛ عربية ودولية؛ خلال الفترة الماضية تغذية الانقسام بين الفصائل الفلسطينية، وممارسة الضغوطات الكبيرة لعدم الاقتراب من المصالحة أو حتى التفكير فيها، إنطلاقًا من المصلحة الإسرائيلية والأمريكية، فأسسوا لانقسام دام فترة طويلة، وكانت جولات المصالحة السابقة عبارة عن ذر للرماد في عيون الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وإظهار القادة العرب بأنهم مهتمون كثيرًا بالقضية الفلسطينية، ومتألمون على الشعب الفلسطيني، في حين كانت مساعيهم الحثيثة تتجه نحو تغذية الانقسام، ومنح العدو الصهيوني فرصة للتمدد وبناء المستوطنات، فإسرائيل وحدها هي المستفيد الأكبر من استمرار الانقسام والتناحر بين الفصائل الفلسطينية.

غير أن قيادة حركتي فتح وحماس هذه المرة تعاملتا بحكمة ووعي، من منطلق الحرص على القضية الوطنية، وتقديم مصلحة الشعب الفلسطيني قبل مصالحهم الحزبية والشخصية، مترفعين عن الصغائر، وعدم التمترس وراء القضايا التفصيلية التي كان المتربصون يجزمون أنها ستفجر الأوضاع، وستؤسس لانقسام جديد مرة أخرى، فالفلسطينيون يعلمون أن الشيطان يكمن في التفاصيل فتجاوزوها، وأثبتوا للعالم أنهم سيكونون مضرب الأمثال لتصالح في زمن الانقسام.

لم تعارض الحكومة الإسرائيلية هذه المرة الإتفاق، على الأقل بشكل علني، فقناعتها من خلال تعاملاتها مع العرب عامة والفلسطينيين بخاصة أن العرب يجيدون التوقيع على الإتفاقات لكنهم يتناحرون عند التطبيق، وهي وإن كانت صفة ملازمة للعرب إلا أن التطبيق يتحول إلى حقيقة وواقع لدى الفلسطينيين الذين اكتووا بنيران الإحتلال لعقود طويلة، ولذلك عندما رأى الإسرائيليون نية الفلسطينيين متجهة نحو التطبيق أطلقوا العنان لإعلامهم اليهودي والعربي الممول منهم للطعن في نوايا الفريقين، والتشكيك في تطبيق الإتفاق.

وهنا يجب أن نقر سلفًا أنه لولا القناعة الفلسطينية الحقيقية النابعة من أعماق الفلسطينيين أنفسهم على مستوى القادة والشعب، بضرورة إنجاز المصالحة لما نجحت، ومن بعد ذلك يمكننا أن نستقرئ بعض الدوافع التي أسهمت وستسهم في إنجاح المصالحة، وتجعلنا على يقين أن الفلسطينيين بعدها لن يرضوا بغيرها بديلًا.

فالتحولات الدولية والإقليمية التي عصفت بالمنطقة العربية، والانتكاسات التي شهدتها بعض الدول، والدمار الذي حول بعض الدول العريية إلى أطلال، وتزايد الإنتهاكات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بشكل يومي، واستمرار اقتحام المسجد الأقصى، والتمادي في بناء مستوطنات جديدة وبوتيرة عالية، كل ذلك دافع للفلسطينيين لإنجاح المصالحة.

ولايمكن أن يتجاهل الفلسطينيون ما شهدته غزة خلال العشر السنوات الماضية من حروب، وحصار إقتصادي خانق، ومنع للمرتبات، وإغلاق للمعابر، ومنع للمساعدات الإغاثية والإنسانية، والتي هي بالتأكيد حاضرة في أذهان السياسيين الفلسطينيين وستعمل على الدفع بهم لإنجاح المصالحة.

لقد وصل الفلسطينيون اليوم إلى قناعة تامة أن الوقت قد حان لإبرام مصالحة حقيقية، وإنهاء الانقسام، وطي صفحة المناكفات وإلى الأبد، والالتفاف حول مشروع بناء الدولة الفلسطينية، وتوحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الإحتلال.

وفي اعتقادي يبقى اليوم أمام حكومة الحمد الله الاضطلاع بمهامها، والالتفات لهموم الفلسطينين وحل مشكلاتهم، وعلى الفصائل الفلسطينية أيضًا التعاون مع الحكومة لتسهيل عملها، وتحقيق جوهر المصالحة، وحل قضايا الإقتصاد، وتقديم الخدمات للشعب الفلسطيني كله الذي اكتوى بنارين: نار الإحتلال الصهيوني، ونار الانقسام والمناكفات بين الفصائل.

وبالمصالحة هذه أصبحت الشعوب العربية تتطلع من قادتها الاقتداء بالقادة الفلسطينيين، والحذو حذوهم في لملمة الشمل، وإنهاء الفرقة والانقسام، حيث أثبت الفلسطينيون للعرب اللاهثين وراء الانقسام والانفصال بأن القوة والعزة في الوحدة والإتحاد، وأن المشاكل مهما كانت عميقة تحل بالحوار وتقديم التنازلات من جميع الأطراف.

وبنجاح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في إتمام المصالحة الفلسطينية، أصبحت الشعوب العربية تتطلع للدور المصري لخوض مصالحات في بلدانهم، وإخراجهم من عنق زجاجة الحرب والدمار الذي قادته القيادات اللاهثة وراء السلطة، فالدور المصري عبر التاريخ هو أمل الشعوب العربية لإنقاذهم من حكامهم المستبدين.

شاهد أيضاً

محمد اللطيفي: الأمم المتحدة.. عودة للسلام من نافذة “الإنسانية”

 هل تنجح الأمم.المتحدة في نقل اليمن من ميادين المواجهات إلى طاولة المفاوضات؟ الإجابة على هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *